
زووم نيوز – امين الناجي
أعترف أنني كلما مررت بجوار المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالرباط، أشعر أنني لست أمام مجرد ملعب، بل أمام كتاب ضخم مفتوح على صفحات من تاريخ الكرة المغربية والإفريقية والعالمية، هذا الفضاء بين مدينة الرباط وتمارة، الذي شُيّد في أوائل الثمانينيات، صار خلال أربعة عقود شاهداً على لحظات لا تُنسى، بعضها حُفر في الذاكرة الجماعية، وبعضها ما زال يثير فينا الحنين كلما عدنا إلى أرشيف الصور والأشرطة القديمة.

أول صورة راسخة في مخيلتي هي نهائي كأس إفريقيا للأمم 1988. كنتُ حينها صغيراً أتابع أمام التلفاز، لكنني ما زلت أذكر كيف بدا الملعب ممتلئاً عن آخره، وكيف احتفلت الجماهير الكاميرونية بفوز منتخبها على نيجيريا. لم يكن الأمر مجرد مباراة كرة قدم، بل كان إعلاناً بأن المغرب قادر على احتضان القارة كلها فوق عشب الرباط.

بعدها بسنوات، وتحديداً في 2014، جاء الدور على ريال مدريد ليحضر إلى العاصمة. نعم، ريال مدريد، بكل نجومه، على أرضية مولاي عبد الله. كنت في المدرجات يومها، ورأيت كيف بدا الجمهور المغربي متيّماً وهو يشاهد رونالدو وبنزيمة في نهائي كأس العالم للأندية ضد سان لورينزو. لم يكن المهم هو النتيجة، بل تلك اللحظة التي شعرت فيها أن العالم كله ينظر إلى ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط.

لكن، إن سألتموني عن أكثر المباريات إثارة، فسأجيب بلا تردد: نهائي كأس العرب 2020 بين الرجاء والاتحاد السعودي. أربع–أربع! ثم ضربات ترجيح عصيبة انتهت بفوز النسور. كنت أتابع المباراة مع أصدقاء من مختلف الانتماءات الكروية، وصدقوني، في تلك الليلة نسينا الألوان وتعانقنا مع كل هدف. كان الملعب أشبه بمسرح درامي، والجماهير المليئة بالأمل واليأس في آن واحد كانت هي الممثل الأول.

وفي نفس السنة، حمل الملعب قصة أخرى لا تقل جمالاً: نهضة بركان يتوج بأول لقب إفريقي في تاريخه بعد هزم بيراميدز. لم يكن فريقاً من العاصمة أو الدار البيضاء، بل من مدينة صغيرة صنعت مجداً قارياً على العشب الأخضر لمولاي عبد الله. كانت رسالة بليغة أن هذا الملعب ليس حكراً على الكبار، بل فضاء لتوزيع الحلم على الجميع.

الملعب واصل كتابة تاريخه: من كأس إفريقيا للسيدات 2022 حيث بكت لبؤات الأطلس بدموع الفخر، إلى نهائي كأس إفريقيا لأقل من 23 سنة 2023 حيث عانق المنتخب المغربي المجد على حساب مصر.

واليوم، في شتنبر 2025، يدخل المجمع الرياضي الأمير مولاي عبد الله مرحلة جديدة من تاريخه بعد عملية تجديد شاملة أعادت إليه بريقه. بسعة تجاوزت 70 ألف متفرج، ومدرجات حديثة، ومرافق بمواصفات مونديالية تواكب أعلى المعايير الدولية، سيعود الملعب ليُفتح في حلة جديدة بمباراة المنتخب المغربي أمام النيجر يوم 5 شتنبر. لن يكون الأمر مجرد لقاء بين منتخبين، بل لحظة رمزية ستعيد ربط الماضي بالحاضر، وستعلن أن الرباط تملك واحداً من أجمل الملاعب في إفريقيا والعالم.

قد نختلف حول المباراة “الأشهر”، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن ملعب مولاي عبد الله أكبر من مجرد مدرجات وأرضية معشوشبة. إنه ذاكرة جماعية تختزن أفراحنا، دموعنا، صرخاتنا، وأحلامنا. بالنسبة لي، سيظل كل مرور بجانبه رحلة قصيرة في الزمن، أسترجع فيها صدى الهتافات وأتساءل: أي مباراة قادمة ستُضاف إلى هذه الذاكرة الحية.




