
زووم نيوز – امين الناجي
في تاريخ كرة القدم، هناك مباريات تتجاوز مجرد كونها منافسة رياضية لتصبح فصولاً محفورة في ذاكرة الأمة، تحمل في طياتها دروساً وتغيرات جذرية. واحدة من هذه المباريات هي تلك التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الجزائري في التاسع من ديسمبر عام 1979، ضمن تصفيات الألعاب الأولمبية. لم تكن تلك المباراة مجرد لقاء كروي عادي، بل كانت فصلاً درامياً في تاريخ الرياضة المغربية، انتهى بهزيمة قاسية للمغرب بخمسة أهداف مقابل هدف واحد، هزيمة لم تمس شباك المرمى فحسب، بل هزت عرش كرة القدم المغربية، واستدعت تدخلاً ملكياً غير مسبوق، غيّر مسار اللعبة في البلاد إلى الأبد. فما الذي حدث في ذلك اليوم المشؤوم؟ وما هو سر غضب الملك الراحل الحسن الثاني الذي أطلق مقولته الشهيرة: “هاد السميات مايبقاوش يلعبو الكرة!”؟ لنغوص في تفاصيل تلك اللحظات التاريخية التي مزجت بين السياسة والرياضة، وكيف تحولت هزيمة كروية إلى نقطة تحول وطنية.

كانت الأجواء التي سبقت المباراة مشحونة للغاية، ليس فقط بسبب التنافس الرياضي التقليدي بين الجارين، بل لتزامنها مع ذروة أزمة الصحراء المغربية في ديسمبر 1979. تحولت المباراة من مجرد حدث رياضي إلى ساحة صراع سياسي غير معلن، انعكس على نفسية اللاعبين المغاربة. ظلت الإذاعة الوطنية تبث الأناشيد الوطنية الحماسية منذ الصباح، في محاولة لشحن اللاعبين والجماهير، لكن هذا الشحن تحول إلى ضغط هائل على أقدام وأذهان اللاعبين. حتى المدرب الفرنسي، كليزو، كان على اتصال مباشر بالقصر، حيث كان الملك الحسن الثاني يتدخل في أدق تفاصيل التشكيلة وخطط المباراة، مما يشير إلى الأهمية القصوى التي أولاها الملك لهذه المواجهة.

على الرغم من نصيحة المدرب كليزو للاعبين بالتركيز على الجانب الرياضي وتجاهل الجوانب السياسية، إلا أن تدخل بعض الوزراء والشخصيات الأخرى زاد من حدة الضغط النفسي، وجعل اللاعبين يشعرون وكأنهم يخوضون حرباً لا مباراة كرة قدم. هذا الضغط كان له تأثير مدمر على أداء المنتخب المغربي. فبعد عشر دقائق فقط من بداية المباراة، تلقت الشباك المغربية هدفاً مفاجئاً من اللاعب الجزائري بن صاولة، الذي عاد ليسجل هدفه الثاني، مما زاد من توتر الأجواء في المدرجات الممتلئة عن آخرها بالجماهير المغربية. حاول اللاعبون تدارك الموقف في الشوط الثاني، لكنهم لم يتلقوا تعليمات واضحة بين الشوطين، حيث كان المدرب كليزو منشغلاً بمكالمة هاتفية مطولة مع الملك الحسن الثاني، الذي كان يتابع المباراة على شاشة التلفزيون، ويعبر عن عتابه الشديد على الأداء. ورغم تقليص المغرب للفارق بهدف من ضربة جزاء، إلا أن الرد الجزائري كان قاسياً، حيث سجلوا ثلاثة أهداف أخرى، لتنتهي المباراة بخماسية تاريخية للجزائر، 5-1. تحولت المدرجات من التشجيع إلى الشجب، وبدأ الجمهور المغربي يهتف باسم المنتخب الجزائري، في مشهد يعكس حجم الصدمة والإحباط. حتى أن الجماهير ظلت تسير خلف حافلة المنتخب الجزائري من الدار البيضاء إلى المحمدية، في دلالة على حجم الهزيمة النفسية التي مني بها الجمهور واللاعبون على حد سواء.

لم تكن الهزيمة الكروية مجرد نتيجة عابرة في نظر الملك الراحل الحسن الثاني. فبمجرد انتهاء المباراة، تحولت الصدمة إلى غضب ملكي عارم. يروي شهود عيان أن الملك، الذي كان يتابع المباراة بشغف من قصره، لم يتمالك نفسه بعد الهزيمة المذلة. كان غضبه ليس فقط على النتيجة، بل على الأداء الباهت الذي لا يليق بمنتخب يمثل الأمة. في تلك اللحظة التاريخية، أطلق الملك الحسن الثاني مقولته الشهيرة التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية المغربية: “هاد السميات مايبقاوش يلعبو الكرة!” (هذه الأسماء يجب ألا تلعب كرة القدم بعد الآن!).

لم يكن هذا التصريح مجرد تعبير عن الغضب اللحظي، بل كان إعلاناً عن قرار ملكي حاسم. فمباشرة بعد نزول بعثة المنتخب المغربي بمطار الرباط، طُلب من أفرادها التوجه إلى مراكش لملاقاة الملك الراحل. كان الخوف يتملك بعض اللاعبين، الذين اعتقدوا أنهم سيدفعون ثمن الهزيمة. لكن المدرب كليزو، الذي كان على اتصال بالملك، طمأنهم. وخلال الاجتماع، طالب الحسن الثاني بإعداد اللاعبين الذين خاضوا مباراة الإياب لما تبقى من استحقاقات، وأكد أن المنتخب من أولوياته. وقبل أن يغادر المسؤولون بوابة القصر، أخبرهم الملك باسم المدرب الجديد، الذي لم يكن سوى الفرنسي فونتين. هذا التدخل الملكي المباشر لم يكن يهدف فقط إلى تغيير المدرب أو اللاعبين، بل كان يرمي إلى إعادة هيكلة شاملة لكرة القدم المغربية، ووضع حد للتسيب والإهمال الذي أدى إلى تلك النتيجة الكارثية.

لم يكن غضب الحسن الثاني مجرد رد فعل عابر، بل كان نقطة تحول حاسمة في تاريخ كرة القدم المغربية. فبعد تلك الهزيمة المدوية، شهدت الكرة المغربية عملية إعادة هيكلة شاملة. تم حل جامعة كرة القدم التي كان يرأسها الكولونيل بلمجدوب، وشُكلت لجنة مؤقتة للإشراف على شؤون اللعبة. لم يقتصر الأمر على تغيير الإدارة، بل امتد ليشمل تغييرات جذرية في صفوف المنتخب الوطني، حيث تم استبعاد العديد من اللاعبين الذين شاركوا في تلك المباراة، وفتح المجال أمام وجوه جديدة. هذا التغيير لم يكن سهلاً، لكنه كان ضرورياً لإعادة بناء الثقة وتصحيح المسار.

كانت مقولة الملك “هاد السميات مايبقاوش يلعبو الكرة!” بمثابة إنذار صارم لكل من تسول له نفسه التهاون في تمثيل الوطن. لقد زرعت هذه الكلمات روحاً جديدة من الانضباط والجدية في نفوس اللاعبين والمسؤولين على حد سواء. أصبحت الأندية والمنتخبات تدرك أن الأداء المتواضع لن يمر مرور الكرام، وأن تمثيل المغرب في المحافل الدولية يتطلب أقصى درجات الالتزام والاحترافية. ورغم أن المغرب اضطر للانتظار حتى عام 2004 ليرد على تلك الهزيمة القاسية بفوز كبير على الجزائر في كأس إفريقيا للأمم، إلا أن بذور التغيير التي زرعها غضب الحسن الثاني في عام 1979 كانت قد بدأت تؤتي ثمارها، ومهدت الطريق لجيل جديد من اللاعبين الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية إعادة أمجاد الكرة المغربية.

إن مباراة المغرب والجزائر في ديسمبر 1979، وما تلاها من غضب ملكي وتصريح تاريخي للحسن الثاني، لم تكن مجرد حادثة عابرة في سجل كرة القدم. لقد كانت لحظة فارقة، كشفت عن عمق العلاقة بين الرياضة والسياسة في سياق وطني حساس. ورغم مرارة الهزيمة، إلا أنها كانت الشرارة التي أدت إلى تغييرات جذرية، ودفعت بكرة القدم المغربية نحو مسار جديد من الجدية والاحترافية. لقد أصبحت مقولة الحسن الثاني “هاد السميات مايبقاوش يلعبو الكرة!” ليست مجرد عبارة، بل هي تذكير دائم بأن تمثيل الوطن مسؤولية عظيمة، تتطلب أقصى درجات التفاني والالتزام، وأن الفشل قد يكون أحياناً بداية لنهضة جديدة.




