رياضة

قصص صيفية.. مركب محمد الخامس: من ملعب مارسيل سيردان على الأطراف إلى قلب الدار البيضاء

في عام 1955، كان سكان الدار البيضاء على موعد مع حدث رياضي استثنائي: افتتاح ملعب جديد حمل اسم مارسيل سيردان، تكريماً للبطل الفرنسي الشهير في عالم الملاكمة، الذي بدأ مساره الرياضي في المدينة. ذلك الملعب لم يكن مجرد فضاء لممارسة الرياضة، بل كان رمزاً للتواصل بين الثقافات، وشاهداً على عشق المدينة للرياضة منذ أزمان بعيدة.

مارسيل سيردان وُلد في الدار البيضاء عام 1924. صبي فقير يحلم بالملاكمة، بدأ بتقليد الحركات في الأزقة الضيقة، قبل أن يسافر إلى فرنسا ويصبح بطل العالم في الوزن المتوسط. حياته انتهت مأساويًا عام 1949 في حادث طائرة، لكنه ترك إرثًا خالدًا جعل الملعب الذي بُني في كازابلانكا عام 1955 يُسمي باسمه تكريمًا له، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مركب محمد الخامس، رمز الرياضة المغربية.


مع إعلان استقلال المغرب، تغيرت ملامح الهوية الوطنية للمدينة، فبات من الطبيعي أن يحمل الملعب اسم “الملعب الشرفي” (Stade d’Honneur)، وهو الاسم الذي ظل يتداول بين الرياضيين والمحبين للكرة على مدى عقود، ليصبح جزءاً من ذاكرة الدار البيضاء الرياضية.

مرت السنوات، ومعها تطورت الرياضة المغربية وتوسعت، حتى جاء عام 1983، سنة استضافة المغرب لألعاب البحر الأبيض المتوسط في الدار البيضاء، والتي مثلت فرصة لتوسيع الملعب وتجهيزه وفق المعايير الدولية. ومن هنا وُلد مركب محمد الخامس، الذي ضم الملعب الشرفي إلى فضاءات أوسع ومرافق حديثة، ليصبح اليوم أيقونة رياضية للمدينة والمملكة.

المثير في القصة هو موقع الملعب: حين بُني لأول مرة، كان يقع على طرف المدينة، على حدود المعاريف، وسط مساحة خضراء هادئة، بعيدة عن صخب العمران. لكن مع مرور الوقت، ومع توسع الدار البيضاء وانزلاق العمران نحو كل الجهات، أصبح مركب محمد الخامس في قلب العاصمة الاقتصادية للمغرب، محاطاً بالأحياء الصاخبة والأسواق والشوارع المزدحمة، شاهداً على تحولات المدينة من حي هادئ إلى مركز نابض بالحياة.

اليوم، يحمل مركب محمد الخامس أكثر من مجرد اسم أو ملعب؛ إنه شاهد حي على تاريخ المدينة الرياضي والاجتماعي، على تحولات العمران والتاريخ، وعلى شغف المغاربة بالرياضة، سواء في ملاعب كرة القدم أو الملاكمة أو الألعاب الكبرى. كل حجر فيه يحكي قصة، وكل مدرج يشهد على لحظات الفرح والانتصار، وكأنه يهمس للمارة: “أنا هنا منذ نصف قرن وأكثر، أحتضن أحلام المدينة وأبطالها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى