وطنية

دور العجزة في المغرب.. مغاربة يرفضون الظاهرة ويقرّون بوجودها

هي ظاهرة غريبة على مجتمعنا، لكنها موجودة ويوما بعد آخر تتعزز وتتوطد أواصرها، وتأخذ لها مكانا بيننا، ظاهرة تدمي القلوب وتعتصرها ألما.. ظاهرة التخلي عن أحد الوالدين أو كلاهما.

قديما كنا نسمع عن دور للرعاية في بلدان أخرى، ونستغرب ونتحسر لجحود أولائك الأبناء الذين استطاعوا في لحظات جنونية، التخلي عن آبائهم ورميهم في دور بعيدا عنهم، لأسباب لا نهتم أصلا لمعرفتها، فلا شيء يبرر جحود الإبن وتخليه عن والديه.

وكنا نسمع عن حكايات أبطالها أبناء غير بارين، وما إن تدور عجلة الزمن، حتى ينهل الإبن من نفس الكأس، إذ يرمي به أبنائه في وضع أشد وأصعب.

اليوم، تغلغلت الظاهرة بيننا وأصبحت قائمة بذاتها، فانتشرت دور رعاية المسنين أو الخيرية أو مراكز إيواء العجزة المتخلى عنهم.. كلها أسماء لظاهرة واحدة، وهي ظاهرة الجحود والتنكر وأبشع صور العقوق.

في هذا الروبورتاج حاولنا أن نستقي بعض آراء المغاربة حول هذه الظاهرة الدخيلة والغريبة على مجتمع كالمجتمع المغربي، وأول من صادفناهم كانت السيدة راقية، التي استغربت الظاهرة، وانهالت دموعها قائلة: « كيف يمكن لشخص ان يرمي أمه أو أباه في دور مثل هذه، حتى وإن توفرت كل الرعاية اللازمة، فلا شيء أحن على والدينا من حضن ابن بار ».

نفس الرأي شاطره السيد عباس، الذي قال: « تعب أبي مرة وأدخلناه المستشفى، ليجري عملية، وفور استفاقته من التخدير طالبني بالعودة الى البيت، فهو لم يتحمل المكوث في المستشفى وحنّ الى بيته، فكيف لو كان مرميا في دور الرعاية هاته ».

أما السيد نبيل، فطالب بضرورة دعم الأسر الفقيرة، وأكد بأن من أهم أسباب استفحال ظاهرة رمي الأبناء لآبائهم في دور الرعاية، هو الفقر المدقع الذي يعيشه البعض، مضيفا: « تخيل أن رب أسرة بالكاد يستطيع تأمين قوت يومه، ويعيش في غرفة مع زوجته وأبنائه وأحد والديه أو كلاهما، خصوصا إن كانوا يعانون من أمراض مزمنة، فكيف سيأمن لهم المأكل والمشرب وتكاليف التطبيب، فيضطر الى وضعه أو وضعهما في دور لرعاية المسنين حتى يتسنى لهما العيش في ظروف أحسن ».

السيدة فاطمة، قالت بأنه شئنا أم أبينا فالظاهرة موجودة وهي في تكاثر، لتضيف قائلة: « أقترح لو أن يتم إدماج دور رعاية المسنين مع دور رعاية الأطفال المتخلى عنهم، فمن جهة سيجد الطفل شخصا يحن عليه، ومن جهة يجد العجوز طفلا يعتني به وقد يجد فيه الخير مستقبلا ».

لو سألت معظم المغاربة، لأجمعوا بأن الظاهرة غريبة ومؤلمة وتحكي فصلا من فصول انعدام الرحمة والإنسانية اتجاه أعظم وأهم شخصين بالعالم.. لكنها موجودة، ويكفي فقط أن تلج أحد هذه الدور، لتجف دموعك وأنت تسمع القصص تلو القصص وكأنك في مجتمع آخر غير المجتمع المغربي.

انتشار هذه الدور، ما هو إلى ناقوس خطر يدقّ بقوة حول فقدان أحد أهم أواصر الأسرة التي هي النواة الأولى لبناء المجتمع، ويدق حول أحد أهم تجليات الفقر والحاجة والعوز.

والأمر يزداد خطورة مع تزايد أعداد المسنين خلال العشر سنوات الأخيرة، والخوف ألا تستطيع هذه الدور استيعاب كل هذه الأعداد التي تتزايد يوما بعد آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى