أش واقع

دراسة مغربية تكشف خريطة مثيرة للقلق حول تلوث الموارد المائية

كشفت دراسة علمية حديثة، أنجزتها فرق بحث مغربية تابعة للمعهد الدولي لأبحاث الماء (IWRI) بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات، عن واقع مقلق لتلوث الموارد المائية في المغرب. ونشرت هذه الدراسة في المجلة العلمية Hydrology: Regional Studies، مسلطة الضوء على تفاوت جودة المياه الجوفية والسطحية في مختلف الأحواض والأنهار والسدود.

مياه جوفية هشة بين الاستغلال المفرط والتلوث

تؤكد نتائج البحث أن الخزان الجوفي المغربي يعيش حالة مفارقة: بعض الأحواض مثل الكوس المتوسط الأطلسي ولوكوس ولاو تُظهر مؤشرات جودة عالية، في حين تسجل غالبية الأحواض الأخرى تدهوراً متفاوتاً.

في الشمال، يتصدر حوض نَكور قائمة الأحواض الملوثة بسبب الملوحة المرتفعة والتأثير البحري.

في حوض سبو، يكشف التلوث بالنترات عن تأثير مباشر للأنشطة الزراعية المكثفة وتفريغ المياه العادمة.
في أم الربيع، ساهمت الأنشطة الصناعية والزراعية في تجاوز نسب النترات للمعايير الدولية.
أما في مناطق مثل دكالة-عبدة وسوس-ماسة، فإن الاستعمال المكثف للأسمدة والمبيدات، إلى جانب تسرب مياه البحر، فاقم ملوحة المياه الجوفية.

ويبرز البحث أن أخطر أشكال التلوث تكمن في تراكم النترات، حيث تتجاوز تراكيزها في عدة خزانات سقف 50 ملغ/ل الموصى به من منظمة الصحة العالمية.

الأنهار: ضغط حضري وزراعي يسرّع التدهور


الأنهار المغربية بدورها تعكس هشاشة بيئية كبيرة. فحسب معطيات مديرية المياه بين 2018 و2020، تبين أن:

63% من محطات القياس سجلت جودة متوسطة.
37% أظهرت تلوثاً واضحاً، خصوصاً في سبو وبورقراق، حيث تتراكم الملوثات الصناعية والعضوية.

تركيز مرتفع لمؤشرات مثل الطلب البيوكيميائي للأوكسجين (DBO) والطلب الكيميائي للأوكسجين (DCO)، إضافة إلى النترات والقولونيات البرازية، يكشف بوضوح عن أصل التلوث البشري.

السدود: ملاذ نسبي رغم التحديات

على عكس الأنهار والأحواض الجوفية، قدمت السدود المغربية نسباً أكثر طمأنة:

78% من السدود أظهرت جودة جيدة إلى ممتازة.
غير أن سدوداً في أحواض سبو وبورقراق مثل الكنسرة وحمير وكريما وزمرين، تعاني من مشكلات مرتبطة بزيادة الفوسفور والكلوروفيل-a، ما يشير إلى ظاهرة التخثث الناتجة عن كثافة المغذيات القادمة من الأنشطة الزراعية والصرف الصحي.

دلالات استراتيجية

تحمل نتائج هذه الدراسة أبعاداً استراتيجية على صعيد الأمن المائي الوطني. فهي تبرز:

ضعف الحماية البيئية للأحواض المائية أمام الزحف العمراني والتوسع الزراعي غير المستدام.

مخاطر صحية مرتبطة بتجاوز نسب النترات، ما يضع تحديات أمام استعمال المياه الجوفية للشرب.
ضرورة تحديث سياسات التدبير المائي عبر تعميم شبكات الصرف الصحي ومعالجة المياه العادمة، إلى جانب ترشيد استعمال الأسمدة الكيماوية.

نحو مقاربة استباقية

تؤكد الدراسة أن المغرب بحاجة إلى رؤية استباقية تحافظ على استدامة موارده المائية، خصوصاً في ظل الضغط المتزايد بفعل التغيرات المناخية. حماية الأحواض، الاستثمار في تقنيات المعالجة، والحد من الاستعمال المفرط للمواد الكيماوية، ليست خيارات ثانوية بل رهانات وجودية لضمان الأمن المائي للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى