الجبن السياسي أو عندما يصبح السياسيون بلا ملامح

زووم نيوز – امين الناجي
في السياسة، كما في الحياة، ليس الخطر في الخطأ بقدر ما هو في الجبن عن اتخاذ الموقف، فقد قال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو يومًا: «أسوأ ما في العالم هو أن يُكافأ الجبن وتدان الشجاعة»، ويبدو أن هذه المقولة تجد صداها اليوم في كثير من تفاصيل المشهد السياسي المغربي، حيث يختلط التكتيك بالتهرب، والواقعية باللاموقف، إلى أن صار الصمت أحيانًا أبلغ من كل بيان.
الجبن السياسي ليس انعدامًا للمواقف فحسب، بل هو أيضا خداع جماعي يرتكبه بعض الفاعلين وهم يختبئون خلف شعارات فضفاضة: “التدرّج”، “الواقعية”، أو “الوقت غير مناسب”، وهو ما يجعل الفيلسوف الألماني نيتشه يبدو كأنه يتحدث عن واقعنا حين قال: «من يتصارع مع الوحوش عليه أن ينتبه ألا يتحول هو نفسه إلى وحش»، لأن السياسة التي تخاف قول الحقيقة تتحول تدريجيًا إلى مسرح للوجوه المألوفة والضمائر المطمئنة إلى الركود.
في المغرب اليوم، تتجلى ملامح هذا الجبن السياسي في أكثر من مشهد، نرى أحزابا تفضل التماهي مع المعارضة بدل ممارسة رقابة حقيقية، وبرلمانيين يختزلون دورهم في التصفيق والتبرير، ونخبا سياسية تخشى المبادرة أو النقد الصريح خوفا من الإقصاء أو فقدان الامتياز، وكأن السياسة صارت مهنة “السلامة”، لا مسؤولية “المواجهة”.
لقد كان ونستون تشرشل يقول: «الشجاعة هي ما يلزم للوقوف والتحدث، لكنها أيضًا ما يلزم للجلوس والإصغاء»،
أما عندنا، فالشجاعة صارت عملة نادرة، في زمن يتقن فيه الجميع فن الكلام دون قول شيء، والإصغاء دون فعل شيء.
إن ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة ثقة بين المواطن والسياسة، بل أزمة في معنى السياسة نفسها، فحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، والصمت أكثر أمانا من الصراحة، تتحول المؤسسات إلى ديكور ديمقراطي جميل يخفي هشاشة الإرادة، هذا ما حذر منه الفيلسوف أنطونيو غرامشي حين قال: «الأزمة تكمن في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد» — وصف دقيق لمرحلة نعيشها حيث يتآكل المشروع السياسي الوطني تحت وطأة الحسابات الصغيرة.
وإذا كان المغرب يمر بمرحلة حساسة من تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة، فإن الحاجة اليوم ليست إلى “سياسيين بلا ملامح“، بل إلى قادة أحزاب شجعان يملكون الجرأة على قول ما يجب، لا ما يراد سماعه، فقد قال نيلسون مانديلا، الذي اختبر السجن والخوف: «تعلمت أن الشجاعة ليست غياب الخوف، بل الانتصار عليه».
الجبن السياسي في المغرب لا يُقاس بعدد المواقف المعلنة، بل بعدد الفرص الضائعة لإصلاح ما يجب إصلاحه، وبمدى تغلغل الخوف في لغة الخطاب العمومي، والخطورة أن يتحول هذا الجبن إلى ثقافة تدرس ضمنيا للأجيال القادمة: لا تزعج أحدا، لا تقل شيئا، ولا تخاطر.
لكن المغرب الذي أنجب روادا قاوموا الاستعمار بالكلمة والموقف، لا يستحق هذا الانكماش، فالمجتمع الحي يحتاج إلى سياسة حية، والسياسة الحية تحتاج إلى شجاعة فكرية وأخلاقية تضع المصلحة العامة فوق كل حساب ضيق.
إن مواجهة الجبن السياسي تبدأ من استعادة الاحترام للموقف — مهما كان ثمنه، لأن الأوطان لا تبنى بالمجاملات، بل بالمواقف، وكما قال المفكر الفرنسي ريمون أرون: «السياسي الحقيقي هو من يتحمل مسؤولية النتائج، لا من يختبئ وراء الظروف».




