كيف خرج التنس في المغرب من أندية المعمرين إلى ملاعب المغاربة؟

لم تبدأ حكاية التنس في المغرب من مدرجات البطولات الكبرى ولا من إنجازات النجوم، بل من فضاءات مغلقة كانت تعكس توازنات القوة خلال فترة الحماية. هناك، داخل أندية أوروبية محاطة بالأسوار في مدن مثل طنجة والدار البيضاء والرباط، وُلدت لعبة ستتحول لاحقًا إلى أحد رموز الحضور الرياضي المغربي دوليًا.

في بدايات القرن العشرين، كان التنس جزءًا من نمط عيش الجاليات الأجنبية، يمارسه دبلوماسيون وعسكريون ورجال أعمال داخل أندية خاصة لا يلجها المغاربة إلا كعمّال أو خدّام. لم تكن المضارب تُمسك بأيادٍ مغربية إلا نادرًا، ولم يكن الولوج إلى الملاعب مسألة رياضية بقدر ما كان امتيازًا اجتماعيًا. هكذا ارتبطت اللعبة منذ نشأتها الأولى بصورة “رياضة النخبة الأجنبية”.

غير أن ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي شهدت أولى الشقوق في هذا الجدار المغلق. بدأ بعض المغاربة، المنتمين في الغالب إلى عائلات ميسورة أو المرتبطين إداريًا بهذه الأندية، في اكتشاف التنس وممارسته. لم يكن الأمر سهلاً؛ فالدخول إلى تلك الفضاءات كان مشروطًا، والقبول داخلها لم يكن مضمونًا. من بين هذه الأسماء يبرز عرفة الشقروني، كواحد من أوائل المغاربة الذين اقتحموا ملاعب كانت إلى وقت قريب حكرًا على الأجانب. لم يكن الشقروني بطلًا بالمعنى المتعارف عليه اليوم، لكنه كان شاهدًا وصانعًا لمرحلة انتقالية دقيقة، حيث بدأ المغربي يتحول من متفرج إلى لاعب.

مع سنة 1956، تغيّر المشهد. الاستقلال لم يحرر الأرض فقط، بل فتح الباب أيضًا أمام “مغربة” الرياضات التي كانت محصورة. تأسست الجامعة الملكية المغربية لكرة المضرب، وبدأت عملية تنظيم اللعبة وفتح الأندية تدريجيًا أمام المغاربة. غير أن هذا التحول ظل نسبيًا؛ فالتنس، بخلاف كرة القدم، بقي مرتبطًا بالكلفة والبنية التحتية، ما جعله يحافظ على طابعه النخبوي إلى حد بعيد.

في السبعينيات والثمانينيات، بدأت ملامح تنافس وطني حقيقي تتشكل. ظهرت أندية جديدة، ودخلت اللعبة إلى بعض المؤسسات التعليمية، وبدأ المغرب يسجل حضوره في المنافسات الإفريقية والعربية. كان ذلك تمهيدًا لمرحلة مفصلية ستأتي لاحقًا.

التحول الكبير حدث في التسعينيات، حين خرج التنس المغربي من الإطار المحلي إلى الواجهة العالمية. أسماء مثل يونس العيناوي وهشام أرازي لم تكتفِ بالمشاركة، بل نافست كبار اللاعبين ورفعت العلم المغربي في أكبر البطولات. كما سجل المنتخب الوطني حضورًا لافتًا في منافسات كأس ديفيس، ليؤكد أن ما بدأ داخل أندية مغلقة أصبح مشروعًا رياضيًا وطنياً.

لكن خلف هذا النجاح، تظل أسئلة معلّقة. هل استطاع المغرب فعلًا تحويل هذا الإرث إلى قاعدة شعبية واسعة؟ ولماذا بقي التنس، رغم تاريخه، بعيدًا عن الانتشار الجماهيري الذي تعرفه رياضات أخرى؟ ثم ماذا بقي من ذاكرة الرواد الأوائل الذين مهدوا الطريق دون أن تحظى أسماؤهم بالتوثيق الكافي؟

اليوم، وبين ملاعب حديثة ومراكز تكوين جديدة، يستمر التنس المغربي في البحث عن توازن بين ماضيه النخبوي وطموحه الديمقراطي. غير أن فهم هذا الحاضر يمر حتمًا عبر العودة إلى تلك البدايات الصامتة، حين كانت ضربة مضرب واحدة كفيلة بكسر حاجز اجتماعي كامل.




