
خلّف ما بعد كأس أمم إفريقيا طعمًا مريرًا في الفضاء الرقمي، بعدما شهدت منصات التواصل الاجتماعي، في ظرف وجيز لا يتجاوز أربعًا وعشرين ساعة، موجة غير مسبوقة من السبّ وخطاب الكراهية والعنصرية، استهدفت المغرب بشكل خاص، وفق ما رصدته أدوات متقدمة لمراقبة المحتوى الرقمي. وتُعد هذه القفزة المفاجئة في منسوب التوتر الإلكتروني مؤشرًا مقلقًا، لا يمكن اعتباره عفويًا أو وليد الصدفة.
هذا المناخ الرقمي المسموم أفرز، في المقابل، ردود فعل متشنجة تمثلت في دعوات متطرفة تدعو إلى وقف الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء أو طرد المهاجرين غير النظاميين، بل وتجاوزت ذلك إلى خطابات كراهية صريحة. وهي مواقف، وإن كانت مرفوضة، لا تمثل سوى أصحابها، وغالبًا ما تصدر عن حسابات مجهولة أو وهمية.
الأخطر من ذلك، هو محاولة زرع شك مصطنع بين شعوب إفريقية تجمعها روابط التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. مغاربة وسنغاليون، ومعهم أفارقة من مختلف الدول، وجدوا أنفسهم أسرى روايات رقمية سامة ومضللة، لا تعكس بأي حال من الأحوال حقيقة العلاقات بين الشعوب، بقدر ما تخدم أجندات خفية تقوم على الاستفزاز والتفريق.
ومن الضروري التذكير بحقيقة باتت تُغفل كثيرًا في زمن الشبكات الاجتماعية: الحساب المجهول لا يمثل دولة، والتعليق المسيء لا يعبر عن رأي شعب بأكمله. فكما أن المغربي لا ينطق باسم جميع المغاربة، فإن السنغالي أو غيره لا يمثل كل أبناء بلده. الانسياق وراء هذا الخلط هو الوقوع بعينه في فخ التلاعب الرقمي، خصوصًا أن عددًا من هذه الحسابات قد يكون تابعًا لجهات أجنبية أو لما يُعرف بـ«مزارع bots».
لقد تحولت المنصات الرقمية إلى ساحات مواجهة غير معلنة، تُستخدم فيها أدوات الاستقطاب والتأجيج وبث الكراهية، بهدف ضرب الثقة المتبادلة بين الشعوب الإفريقية. وهي ممارسات لا تخدم مصالح المواطنين، بقدر ما تصب في صالح أطراف تخشى منذ عقود أي تقارب إفريقي حقيقي، أو اندماج إقليمي، أو بروز دول قوية ومؤثرة في محيطها.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي راكمه المغرب في إفريقيا جنوب الصحراء، عبر شراكات اقتصادية واستثمارات استراتيجية، وتعاون إنساني وثقافي ودبلوماسي ملموس. هذا الحضور المتنامي جعل من المملكة نموذجًا يُنظر إليه بإيجابية في عدة عواصم إفريقية، لكنه في الوقت ذاته أثار حساسيات وجعلها هدفًا لحملات تشويه ممنهجة.
ومن السذاجة الاعتقاد بأن هذه الحملات معزولة عن حسابات جيوسياسية، إذ إن بعض الأطراف المعادية للتموقع الإفريقي للمغرب، وللقضية الوطنية، تستثمر بقوة في الفضاء الرقمي لتأليب الرأي العام، وتضخيم التوترات، واستغلال العاطفة الرياضية لضرب علاقات استراتيجية. ففصل المغرب عن عمقه الإفريقي يظل هدفًا واضحًا لإضعاف الطرفين معًا.
إن العلاقة بين المغرب وإفريقيا ليست ظرفية ولا تكتيكية، بل هي علاقة تاريخية واستراتيجية وحيوية، تمسّ التنمية المشتركة، كما تمسّ الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة. والجهود الكبيرة التي بُذلت لاستعادة موقع المغرب داخل الاتحاد الإفريقي، وبناء الثقة وكسب القلوب، لا يجب أن تُهدر بسبب انزلاقات رقمية غير محسوبة.
من هنا، تبرز مسؤولية المواطن المغربي في التعاطي الواعي مع المحتوى الرقمي. فالتفاعل، والمشاركة، والرد، ليست أفعالًا بريئة دائمًا. والوطنية لا تُقاس بحدة الخطاب أو بإهانة الآخر، بل بقدرة هادئة وذكية على الدفاع عن المصالح العليا للبلاد.
إن عدم الانجرار وراء الاستفزاز، وتجاهل خطابات الكراهية، يظل الخيار الأنجع، لأن الرد على السمّ بالسمّ لا يخدم إلا من يتمنى رؤية المغرب معزولًا، ضعيفًا، وفي صدام دائم مع محيطه الإفريقي.




