سيدي أحمد أوموسى.. قطب التصوف السوسي الذي صنعت زاويته ذاكرة تازروالت

تستعيد تازروالت كل عام جزءاً من ذاكرتها الروحية والتاريخية مع تنظيم موسم سيدي أحمد أوموسى، أحد أشهر المواسم الدينية والتجارية بمنطقة سوس، المرتبط باسم واحد من أبرز أعلام التصوف السوسي خلال القرن العاشر الهجري.
ولا تكمن أهمية هذا الموسم في بعده الديني فقط، بل في ارتباطه بتاريخ زاوية لعبت، لقرون، أدواراً في التربية والتعليم والإطعام واستقبال العلماء والمريدين، وأسهمت في إشعاع تازروالت داخل المجال السوسي وخارجه. وتشير مصادر تاريخية وسياقات محلية إلى استمرار حضور الزاوية والمدرسة العتيقة المرتبطة بها في الحياة العلمية والروحية للمنطقة.
من أحماد أوموسى إلى قطب سوس
ولد الشيخ أحماد أوموسى، المعروف أيضاً بأحمد بن موسى السملالي الجزولي، سنة 853هـ/1449م، بحسب الروايات التي أوردتها مصادر حول سيرته. وترتبط نشأته ببلاد إداوسملال، قبل أن يدخل مرحلة تحول روحي قادته من حياة الشباب واللهو إلى طلب العلم والتصوف.
وتذكر الروايات أنه تلقى القرآن في مدرسة «أخربيش»، قبل أن تبدأ رحلته الطويلة في طلب المعرفة والسياحة الصوفية، حيث ارتبط بعدد من أعلام التصوف في المغرب والجزائر، وفي مقدمتهم عبد العزيز التباع، أحد أبرز تلامذة الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، كما اتصل بالشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الملياني.
واستمرت رحلته، وفق المصادر نفسها، قرابة ثلاثة عقود، جاب خلالها مناطق من المغرب والمغرب الأوسط والشرق، قبل أن يعود إلى سوس ويختار لاحقاً تازروالت موطناً لزاويته.
تازروالت.. بداية مرحلة جديدة
لم يكن اختيار تازروالت مجرد انتقال جغرافي. فقد كانت المنطقة ذات موقع مهم وموارد طبيعية تساعد على استقرار السكان والقوافل، كما أصبحت لاحقاً مركزاً روحياً استقطب المريدين والعلماء والزوار.
وفي تازروالت أسس أحماد أوموسى الزاوية السملالية، التي تحولت تدريجياً إلى مركز ديني واجتماعي ذي إشعاع واسع. وتذكر الدراسات أن الزاوية اضطلعت بأدوار متعددة، من بينها التربية والتوجيه، والتعليم، وإطعام الزوار والمحتاجين، خصوصاً خلال فترات الأزمات والمجاعات التي عرفتها المنطقة. (معلمة)
كما ارتبطت بالزاوية حركة علمية وصوفية، واستقبلت عدداً من العلماء والفقهاء والمتصوفة، ما ساهم في تعزيز مكانة تازروالت باعتبارها إحدى الحواضر الروحية المهمة في جنوب المغرب.
بين التصوف والسلطة السعدية
برز نفوذ الشيخ أحماد أوموسى في مرحلة سياسية دقيقة من تاريخ المغرب، تزامنت مع صعود الدولة السعدية وتوسع نفوذها في الجنوب.
وتشير المصادر إلى وجود صلات بين الشيخ وعدد من السلاطين السعديين، من بينهم أحمد الأعرج ومحمد الشيخ، ثم السلطان عبد الله الغالب، بما يعكس المكانة التي اكتسبها شيوخ التصوف في المجتمع السوسي خلال تلك المرحلة، حيث لم تكن الزوايا مجرد فضاءات دينية، بل كانت أيضاً مؤسسات ذات تأثير اجتماعي ورمزي. (معلمة)
«الكرامات» بين الرواية الشعبية والتاريخ
تتناقل الذاكرة الشعبية حول سيدي أحمد أوموسى روايات كثيرة عن «كراماته»، من بينها معرفة ما يخطر في نفوس الناس، والتخاطب مع بعض الحيوانات، والشفاء، وتحويل الرمل إلى ذهب وغيرها.
وتتعامل زووم نيوز مع هذه الروايات باعتبارها جزءاً من الذاكرة الشعبية والموروث الصوفي المرتبط بشخصية الشيخ، وليس باعتبارها وقائع تاريخية مثبتة بالمنهج العلمي. وهو تمييز ضروري بين ما تثبته المصادر التاريخية وما تناقلته الرواية الشفوية ومؤلفات المناقب.
موسم تازروالت.. ذاكرة تتجدد في 2026
بعد مرور قرون على وفاة الشيخ، ما تزال تازروالت تستقبل موسمها السنوي المرتبط بسيدي أحمد أوموسى، في موعد يجمع بين البعد الروحي والحضور الثقافي والحركة التجارية.
وقد تحول الموسم إلى مناسبة تستقطب الزوار من مناطق مختلفة من المغرب وخارجه، وترافقه أنشطة دينية وثقافية وتجارية، بينما تظل الزاوية والمدرسة العتيقة جزءاً من الذاكرة العلمية والدينية للمنطقة.
وتؤكد المعطيات المنشورة حديثاً استمرار حضور المدرسة العلمية العتيقة بتازروالت في المشهد الثقافي والديني، بما يعكس امتداد الوظيفة العلمية للمكان إلى الزمن المعاصر.
وتنسب المصادر التاريخية وفاة سيدي أحمد أوموسى إلى 7 ذي الحجة 971هـ، الموافق لـ1 يوليوز 1564م، بعد حياة امتدت لأكثر من قرن، وفق الرواية التاريخية المتداولة.
وهكذا، لا يحضر اسم سيدي أحمد أوموسى في تازروالت باعتباره شخصية صوفية من الماضي فقط، بل كجزء من ذاكرة سوس الثقافية والروحية، حيث ما تزال الزاوية والموسم والفضاء المحيط بهما يحملون آثار رجل تحولت سيرته، عبر القرون، إلى أحد أبرز مكونات الذاكرة الجماعية للجنوب المغربي.
المصادر المعتمدة: المختار السوسي، إيليغ قديماً وحديثاً؛ خديجة الراجي، الزاوية السملالية في مرحلة التأسيس؛ ومعطيات ومراجع تاريخية منشورة حول التصوف والزوايا في سوس.




