أزمة “نارسا” بين فشل السياسات وقرارات التهدئة: أخنوش يوقف الحملة المثيرة للجدل

أثار قرار الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية “نارسا” بفرض حملة واسعة على الدراجات النارية، ردود فعل غاضبة في الشارع المغربي، بعدما شملت الإجراءات آلاف السائقين، وانتهت بحجز عدد كبير من الدراجات بدعوى مخالفة معايير تقنية أو تجاوزات في السرعة. خطوةٌ اعتُبرت لدى كثيرين غير مسبوقة في الصرامة، لكنها فجّرت في المقابل غضبا اجتماعيا لم تستطع الحكومة تجاهله.
الجدل بلغ ذروته عقب الحادثة المأساوية التي شهدتها مدينة خريبكة الأسبوع الماضي، والتي أعادت إلى الواجهة محدودية السياسات العمومية في كبح “حرب الطرق”. ورغم مرور أزيد من عشر سنوات على تسيير الوكالة من طرف مديرها ناصر بولعجول، فإن أرقام الحوادث والضحايا تكشف أن النتائج ما زالت بعيدة عن التطلعات.

مذكرة “نارسا” الأخيرة وُصفت من طرف متتبعين بكونها “تجاوزا خطيرا”، بعدما منحت نفسها صلاحيات ذات طابع تنفيذي وأمني، متجاوزة دورها المؤسساتي باعتبارها هيئة تقنية مكلفة بالتأطير والتنظيم. فإصدار أوامر مباشرة إلى السلطات الأمنية والقضائية، بدا للبعض وكأنه “انحراف عن المسار”، ومساس بحقوق المواطنين في التنقل والعيش الاجتماعي المستقر.

وأمام تصاعد موجة الاستياء، اضطر رئيس الحكومة عزيز أخنوش، صباح الخميس، إلى التدخل بشكل مباشر، حيث وجّه تعليماته إلى وزير النقل واللوجيستيك عبد الصمد قيوح بتعليق الحملة مؤقتا، ومنح فترة انتقالية مدتها 12 شهرا، قصد تمكين السائقين من التكيف مع القوانين الجديدة.
هذا القرار لم يُقرأ فقط كإجراء إداري، بل كخطوة سياسية هدفها “احتواء الغضب الشعبي”، بعدما تحولت سياسات الوكالة إلى مصدر توتر عوض أن تكون أداة لحماية الأرواح.

ليست هذه أول مرة تجد “نارسا” نفسها وسط عاصفة من الانتقادات. فقبل أشهر، أثارت صفقة شراء أجهزة ردارات ألمانية حديثة، بمبالغ اعتبرها كثيرون “مبالغا فيها”، نقاشا واسعا حول أولويات المؤسسة. إذ تساءل الرأي العام: كيف تُصرف مئات الملايين على معدات تقنية متطورة، بينما لا ينعكس ذلك على تقليص حجم الحوادث القاتلة في الطرق المغربية؟
الوقائع الأخيرة أعادت طرح سؤال مركزي: هل تحولت “نارسا” إلى مؤسسة تقنية حقيقية لحماية الأرواح وضمان سلامة الطرق؟ أم أنها انزلقت إلى أداة بيروقراطية تضغط على المواطن أكثر مما تراعي واقعه الاجتماعي؟
أسئلة مفتوحة اليوم على نقاش عمومي واسع، خصوصا مع تصاعد الأصوات التي ترى أن إصلاح السلامة الطرقية يتطلب رؤية متكاملة تشمل التكوين، البنية التحتية، والتربية الطرقية، بدل الاكتفاء بحملات “ردعية” لا تحل جذور المشكل.
قد يكون قرار أخنوش بتعليق الحملة مجرد حلّ مؤقت لاحتواء الأزمة، لكن الملف الأعمق يظل قائما: فشل السياسات الطرقية في إنقاذ الأرواح، وتآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات يفترض أنها وُجدت لحمايته، لا لإثقال كاهله.



