حوار.. احمد أفقير: الزراعة الذكية باشتوكة.. ثورة تكنولوجية صامتة لضمان الأمن المائي والغذائي

في قلب سهل سوس، حيث يتربع اقليم اشتوكة أيت باها على عرش الفلاحة التصديرية بالمغرب، تدور معركة خفية لكنها مصيرية. ففي مواجهة إجهاد مائي هيكلي وتحديات مناخية متزايدة، لم تعد الأساليب الزراعية التقليدية قادرة على الصمود. من هنا، يبرز مفهوم “الزراعة الذكية” ليس كخيار تكميلي، بل كضرورة استراتيجية وحتمية لضمان استدامة القطاع. لفهم أبعاد هذا التحول العميق، وتأثيره على أرض الواقع، نلتقي اليوم بالسيد أحمد أفقير، النائب الأول لرئيس الغرفة الفلاحية لجهة سوس ماسة، في حوار شامل يكشف لنا تفاصيل هذه الثورة التكنولوجية الصامتة.

السيد أحمد أفقير، بدايةً، يُطرح مصطلح “الزراعة الذكية” أو “الزراعة 4.0” بشكل متزايد في النقاشات الفلاحية. لكن بالنسبة للفلاح في اشتوكة، ماذا يعني هذا المفهوم بشكل ملموس وعملي؟

“مرحباً بكم. بالفعل، قد يبدو المصطلح معقداً للوهلة الأولى، لكن جوهره بسيط ومباشر. الزراعة الذكية هي نقلة نوعية من فلاحة تعتمد على الخبرة والتقدير، إلى فلاحة تعتمد على البيانات (Data-Driven Agriculture). إنها إدارة للضيعة الفلاحية مبنية على القياس والتحليل والقرار الدقيق. بدلاً من أن يسأل الفلاح نفسه ‘هل يجب أن أروي اليوم؟’، يصبح السؤال ‘ما هي كمية المياه الدقيقة التي تحتاجها نبتة الطماطم في المتر المربع رقم 72 من البيت المغطى، بناءً على قراءة حساس الرطوبة ومؤشر الإجهاد المائي للنبتة؟’.
في سياق اقليم اشتوكة آيت باها، هذا التحول ليس ترفاً. نحن نتحدث عن منطقة تساهم بحصة وازنة في صادرات المغرب الفلاحية، لكنها تقع ضمن حوض مائي يعاني من عجز سنوي يقدر بملايين الأمتار المكعبة. لذلك، تطبيق الزراعة الذكية هنا يعني استمرارية النشاط الفلاحي من عدمه. إنه يعني تحويل كل مدخل من مدخلات الإنتاج – سواء كان ماءً، أو سماداً، أو مبيداً – إلى استثمار محسوب بدقة لتحقيق أقصى مردودية بأقل تكلفة بيئية واقتصادية.”
بالحديث عن التقنيات، ما هي الأدوات التكنولوجية التي أثبتت نجاعتها وفعاليتها في ضيعات اشتوكة، وهل يمكننا الحديث عن تبني واسع النطاق لها؟

“يمكننا تقسيم التقنيات المعتمدة حالياً إلى مستويات مختلفة حسب درجة التبني. على رأسها وأكثرها انتشاراً:
• أنظمة الري الذكي (Smart Irrigation): لقد تجاوزنا مرحلة الري بالتنقيط التقليدي. اليوم، نتحدث عن أنظمة مبرمجة ومتصلة بمحطات أرصاد جوية مصغرة (Agro-meteorological stations) وحساسات رطوبة التربة (Soil moisture sensors). هذه الأنظمة لا تقوم فقط بتوصيل المياه للنبتة، بل تقوم بحساب التبخر-النتح (Evapotranspiration) الفعلي وتضبط كميات الري أوتوماتيكياً. النتائج مذهلة، حيث سجلنا في ضيعات نموذجية وفراً في استهلاك المياه يتجاوز 40% مع تحسن في جودة وتجانس المنتوج.
• الزراعة الدقيقة المعتمدة على الدرون (Drone-based Precision Farming): الطائرات بدون طيار لم تعد مجرد أداة تصوير. اليوم، هي منصات علمية طائرة. تُجهز بكاميرات متعددة الأطياف (Multispectral cameras) قادرة على التقاط ما لا تراه العين المجردة. من خلال تحليل مؤشرات مثل NDVI (مؤشر الغطاء النباتي)، يمكن للفلاح تحديد مناطق الإجهاد المائي أو نقص العناصر المغذية (مثل الآزوت أو البوتاسيوم) بدقة تصل إلى سنتيمترات، والتدخل بشكل موجه.
• التسميد الدقيق (Fertigation & Variable Rate Application): بدلاً من تسميد الحقل بأكمله بنفس الكمية، نقوم الآن بدمج أنظمة التسميد مع الري (Fertigation) وتطبيق تقنية VRA (Variable Rate Application). بناءً على خرائط خصوبة التربة التي يتم إعدادها مسبقاً عبر تحليل العينات وربطها بـ GPS، يتم حقن الأسمدة بكميات متفاوتة حسب حاجة كل جزء من الحقل، مما يمنع هدر الأسمدة وتلوث الفرشة المائية.
• منصات الإدارة المتكاملة (Farm Management Platforms): بدأ كبار المنتجين في اعتماد برمجيات متكاملة تجمع كل هذه البيانات في لوحة تحكم واحدة، مما يسمح للمهندس الزراعي أو الفلاح بمراقبة كل شيء عن بعد، من استهلاك المياه إلى صحة النبات، واتخاذ قرارات استراتيجية مبنية على رؤية شاملة.”
الأرقام التي ذكرتموها واعدة جداً. هل لديكم دراسات حالة أو أمثلة موثقة من المنطقة تبرز الأثر الاقتصادي والبيئي المباشر لهذه التقنيات على الفلاحين؟

بالتأكيد، والأمثلة هي أفضل برهان. لدينا تعاونية فلاحية في منطقة بلفاع كانت تعاني من ارتفاع ملوحة مياه الري، مما أثر سلباً على محصولها من الفاصوليا الخضراء. بعد تركيب نظام ري ذكي مع حساسات ملوحة، تمكنوا من برمجة دورات ري قصيرة ومكثفة (Pulse irrigation) لغسل الأملاح بعيداً عن منطقة الجذور، مع حقن كميات دقيقة من الكالسيوم لمعالجة التربة. النتيجة كانت زيادة في الإنتاج القابل للتصدير بنسبة 18% وانخفاض في استهلاك المياه بنسبة 22% في الموسم الأول.
مثال آخر، منتج كبير للطماطم في منطقة ماسة استثمر في طائرة “درون” لمراقبة حقوله. في إحدى جولاتها، رصدت الكاميرا الحرارية بؤرة صغيرة لانتشار حشرة “توتا أبسولوتا” قبل ظهور الأعراض على الأوراق. تم التدخل بشكل بيولوجي في تلك البقعة المحددة فقط، مما جنب الضيعة بأكملها خسارة كانت شبه محققة، ووفر عليه ما لا يقل عن 70% من تكلفة المبيدات التي كان سيستخدمها لو تفشى المرض.”
هذا تحول كبير، لكنه يتطلب استثماراً أولياً قد لا يكون في متناول جميع الفلاحين، خاصة الصغار منهم. ما هي آليات الدعم والتحفيز التي توفرها الدولة والغرفة الفلاحية لدمقرطة هذه التكنولوجيا؟

هذه نقطة محورية في استراتيجيتنا. نحن ندرك أن التكلفة قد تكون عائقاً. لذلك، العمل يتم على جبهتين:
• الدعم الحكومي: استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” تضع التحول الرقمي في صلب أولوياتها. هناك برامج دعم مالي مباشر من خلال صندوق التنمية الفلاحية (FDA) تصل إلى نسب مهمة من تكلفة اقتناء المعدات الذكية، مثل محطات الطقس، الحساسات، وحتى الطائرات المسيرة المخصصة للاستخدام الفلاحي.
• دور الغرفة الفلاحية: دورنا لا يقتصر على التعريف ببرامج الدعم، بل يتجاوزه إلى التأطير والمواكبة التقنية.
من خلال هذا الحوار مع السيد أحمد أفقير، يتضح أن الزراعة الذكية في اشتوكة ليست مجرد صيحة عابرة، بل هي استجابة حتمية لتحديات وجودية. إنها تمثل الجسر الذي يربط بين حكمة الفلاح التقليدية ودقة العلم الحديث، لضمان مستقبل مستدام لقطاع يعتبر شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي لجهة سوس ماسة بأكملها. إن نجاح هذا التحول الرقمي لن يقاس فقط بالأطنان الإضافية من المحاصيل، بل بقدرته على الحفاظ على أثمن مورد: الماء.




