أش واقعالفنيةوطنية

قصص صيفية.. الحسن الثاني: الملك الفنان الذي نسج علاقات استثنائية مع عمالقة الطرب والإبداع

لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، مجرد قائد سياسي محنك قاد المغرب في مراحل حاسمة من تاريخه، بل كان أيضًا فنانًا مرهف الحس، يمتلك ذوقًا رفيعًا وشغفًا عميقًا بالفنون بمختلف أشكالها، كانت حياته حافلة بالمواقف التي كشفت عن جانب آخر من شخصيته، جانب الفنان الذي يرى الجمال في كل شيء، ويقدر الإبداع أينما وجد، لكن ما يميز شخصيته الفنية حقًا هو تلك العلاقات الاستثنائية التي نسجها مع كبار الفنانين، مغاربة ومشارقة، والتي تجاوزت حدود البروتوكول لتصبح صداقات عميقة مبنية على الاحترام المتبادل وتقدير الفن.


يُعرف عن الحسن الثاني عشقه الكبير للموسيقى والطرب، وقد تجاوز هذا العشق مجرد الاستماع إلى التفاعل العميق معها. لم يكن غريبًا أن تُظهر وسائل الإعلام صورًا له وهو يحمل دفًا ويضبط الإيقاع لفرقة موسيقية، في مشهد يعكس شغفه الحقيقي بهذا الفن. لم يكن مجرد مستمع، بل كان عازف أكورديون بارعًا وضابط إيقاع متمكنًا، يمتلك حسًا موسيقيًا رفيعًا مكنه من فهم أدق تفاصيل الألحان والإيقاعات.

تجاوزت موهبته الموسيقية العزف إلى التلحين، فقد قام بتلحين أغنية خاصة بمناسبة ولادة ولي العهد آنذاك، سيدي محمد (الملك محمد السادس حاليًا) في عام 1963. هذه اللفتة الفنية تعكس مدى تغلغل الموسيقى في وجدانه، وكيف كانت جزءًا لا يتجزأ من حياته ومناسباته الخاصة. كان يتمتع بثقافة موسيقية واسعة، وكان يبدي ملاحظات دقيقة للملحنين والفرق الموسيقية، مما يدل على معرفته العميقة بأصول هذا الفن وقواعده.


إلى جانب شغفه بالموسيقى، كان الحسن الثاني شاعرًا مرهفًا، يمتلك ناصية اللغة وبلاغة التعبير. كان يكتب الشعر، ويقدر الشعراء ويحتفي بهم، مما يؤكد مكانة الكلمة والشعر في بلاطه. لم يكن شعره مجرد هواية عابرة، بل كان يعكس عمق فكره وجمال روحه، وتنوع اهتماماته.

من بين قصائده التي حفظت عنه، بيتان في التغني بمدينة مراكش، يعكسان حبه للمدن المغربية وجمالها:

بَعْدَ شَوْقٍ وَتَمَنِّ — هَا هُوَ الْيَوْمَ أَتَانِي
فَأَنَا الْيَوْمَ أُغَنِّي — زَارَنِي حِبِّي وَثَانِي

كما عُرف عنه كتابته لقصيدة غزلية رقيقة تتكون من خمسين بيتًا، مما يدل على قدرته على التعبير عن المشاعر الإنسانية بأسلوب شعري راقٍ. ولم يقتصر شعره على الغزل والوصف، بل امتد ليشمل قضايا الأمة، حيث عارض قصيدة أبي القاسم الشابي الشهيرة (إرادة الحياة) وألقاها في مؤتمر افتتاح قمة دول المغرب العربي، مما يبرز اهتمامه بالقضايا القومية بأسلوب شعري بليغ.

ولم تكن موهبته الشعرية مقتصرة على الشعر المكتوب، بل كان يمتلك قدرة على الارتجال الشعري، كما يتضح من قطعة شعرية ارتجالية في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ألقاها بين يدي مؤنسه محمد بنبين. هذه القدرة على الارتجال تدل على تمكنه العميق من اللغة العربية، وإلمامه الواسع بمفرداتها ومعانيها، وقدرته الفائقة على التصوير والتشبيه.


لم تكن اهتمامات الحسن الثاني الفنية مجرد هوايات شخصية، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من هويته كملك وقائد. لقد أدرك جلالته أهمية الفن في بناء الحضارات وتشكيل الوعي الجمعي، ولذلك كان داعمًا كبيرًا للفنانين والمثقفين، وسعى إلى إثراء المشهد الثقافي والفني في المغرب. كانت قصوره الملكية مساحة للقاءات الفنية والثقافية، حيث استقبل كبار الفنانين والموسيقيين من المغرب والعالم العربي، مما يؤكد دوره كراعٍ للفن والإبداع.

تُروى قصة شهيرة عن علاقة الملك الحسن الثاني بالفنان المصري الكبير عبد الحليم حافظ، تجسد عمق الود والاحترام بينهما. ففي إحدى زيارات عبد الحليم حافظ للمغرب، وأثناء تكريم ملكي له، أبدى الفنان إعجابه الشديد بالبدلة الأنيقة التي كان يرتديها الملك. لم يتردد الحسن الثاني لحظة، فدخل إلى حجرة ملابسه، وخلع البدلة، وقدمها لعبد الحليم مع الوسام الذي كان يوشحه، في لفتة ملكية كريمة أثرت في الفنان بشدة.

ولم تتوقف القصة عند هذا الحد، فقد طلب الملك الحسن الثاني من المصمم العالمي الشهير “سمالطو” تصميم بدلتين متطابقتين، واحدة له والأخرى لعبد الحليم حافظ. والأكثر من ذلك، أنه جعله يوقع على تعهد يمنعه من تصميم بدلة مماثلة قبل مرور 30 عامًا، وهو ما حدث بالفعل. هذه القصة تعكس مدى تقدير الملك للفنانين وحرصه على تكريمهم بأبهى الصور، وتظهر أيضًا العلاقة الشخصية القوية التي كانت تجمعه بعبد الحليم حافظ.

وفي موقف آخر يبرز وفاء عبد الحليم حافظ للملك، خلال محاولة انقلاب الصخيرات عام 1971، وجد العندليب الأسمر نفسه محاصرًا داخل مقر الإذاعة المغربية في الرباط. طلب منه الانقلابيون تلاوة بيان الانقلاب، لكن عبد الحليم رفض بشدة، مفضلاً مواجهة الخطر على خيانة صديقه الملك. هذا الموقف الشجاع يؤكد عمق العلاقة التي كانت تربط الفنان بالملك، وتجاوزها للمصالح الشخصية لتصبح علاقة مبنية على الوفاء والمبادئ.

كانت علاقة الملك الحسن الثاني بسيدة الطرب العربي أم كلثوم تتسم بالاحترام المتبادل والتقدير الكبير. تُروى العديد من المواقف التي جمعت بينهما، والتي تظهر الجانب الإنساني في شخصية الملك وتقديره للفن الأصيل.

في إحدى زيارات أم كلثوم للمغرب، وأثناء حفل ملكي، حدث موقف طريف ومحرج في آن واحد. فقد تأخرت أم كلثوم عن موعد الحفل، وعندما وصلت، سألها الملك الحسن الثاني عن سبب تأخرها. أجابت أم كلثوم بعفويتها المعهودة بأنها كانت تنتظر أن يكتمل الجمهور. ابتسم الملك، وتفهم الموقف، مما يدل على سعة صدره وتقديره لمكانة أم كلثوم الفنية.

وفي موقف آخر، يُحكى أن أم كلثوم رفضت الغناء في إحدى الحفلات الملكية إلا إذا تم الإفراج عن شخص كان معتقلاً. وبالفعل، استجاب الملك لطلبها، مما يدل على مدى تأثيرها ومكانتها لديه، وعلى تقديره للفنانين وحرصه على تلبية طلباتهم ما أمكن.

كما يُذكر أن الملك الحسن الثاني أهدى أم كلثوم كبشًا بمناسبة عيد الأضحى، في لفتة كريمة تعكس كرمه وتقديره لها كفنانة وإنسانة. هذه المواقف وغيرها تؤكد أن علاقة الملك الحسن الثاني بالفنانين لم تكن مجرد علاقة رسمية، بل كانت علاقة إنسانية عميقة، مبنية على التقدير والاحترام المتبادل، مما جعل منه ملكًا فنانًا بامتياز.

إن شخصية الحسن الثاني كفنان تعكس بعدًا إنسانيًا عميقًا في شخصيته القيادية، وتؤكد أن الفن ليس مجرد ترف، بل هو ضرورة روحية وفكرية تساهم في بناء الإنسان والمجتمع. لقد ترك الملك الراحل إرثًا فنيًا وثقافيًا غنيًا، لا يزال يلهم الأجيال ويذكرنا بأن الفن هو لغة عالمية تتجاوز الحدود وتوحد القلوب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى