نصاب النساء في أكادير.. قصة مريم والوهم الذي تحول إلى كابوس

“أصبحت مهددة في أية لحظة بالقتل، خصوصًا أن هذا الشخص لا يزال حرًا طليقًا.” هكذا بدأت مريم، باسم مستعار، تروي فصول قصتها التي تفوق الخيال لجريدة “مشاهد”، قصة تتكشف تفاصيلها المروعة على طريقة أفلام نتفليكس الوثائقية التي تجمد الدماء في العروق. إنها حكاية “متصيد النساء”، الرجل الذي اتخذ من فنادق أكادير المصنفة مسرحًا لجرائمه، ومن وعود الحب والزواج شباكًا لاصطياد ضحاياه، ليتحول الحلم الوردي إلى كابوس من التهديدات والابتزاز.
في عام 2022، كانت مريم مجرد زائرة تستمتع بجمال أكادير، المدينة التي تشع دفئًا وسحرًا. هناك، في أحد فنادقها الفاخرة، التقت بـ “م.أ”. قدم نفسه كمهندس ناجح، يبلغ من العمر 42 عامًا، يتمتع بمكانة اجتماعية مرموقة. كانت شخصيته آسرة، حديثه لبق، ووعوده بالزواج بدت صادقة كشمس الصيف. لم تكن مريم تعلم أن هذا اللقاء العابر سيفتح عليها أبواب جحيم لم تتخيله قط. لقد رسم “م.أ” في مخيلتها صورة فارس الأحلام، الشريك المثالي الذي سيشاركها بناء عش الزوجية، ولكن هذه الصورة لم تكن سوى سراب، وهمٌ محبوك بإتقان ليخفي وراءه نصابًا محترفًا، يمتلك براعة شيطانية في سلب النساء ممتلكاتهن وأموالهن.
لم يمض وقت طويل حتى بدأ “م.أ” في نسج خيوط شبكته حول مريم. تحت ستار الحب والظروف الصعبة، بدأ يطلب منها مبالغ مالية كبيرة. تارة كانت الحجة وفاة والدته، وتارة أخرى مروره بضائقة مالية خانقة، أو رغبته في شراء منزل ليؤسس حياته الزوجية معها. وبقلب يملؤه الحب والثقة، لم تتردد مريم في تقديم كل ما تملك، حتى تجاوزت المبالغ المسلوبة منها 50 مليون سنتيم. كانت كل حجة يقدمها “م.أ” تبدو منطقية، وكل طلب مالي يبرره بوعود مستقبلية وردية، مما جعل مريم تقع فريسة سهلة لهذا المحتال البارع.
لكن دوام الحال من المحال، فالحقيقة لا بد أن تظهر مهما طال أمد التضليل. بدأت الشكوك تتسلل إلى قلب مريم، تساؤلات صغيرة تحولت إلى جبال من الحقائق الصادمة. اكتشفت مريم أن “خطيبها” ليس سوى نصاب محترف. لم يكن مهندسًا كما ادعى، بل كان عاطلاً عن العمل، يتخذ من النصب مهنة له. والدته التي ادعى وفاتها كانت لا تزال حية ترزق، وعمره الحقيقي كان بعيدًا كل البعد عن الـ 42 عامًا التي ذكرها. لقد كان “م.أ” مجرد شبح، صورة وهمية رسمها ليوقع بضحاياه، مستغلاً عواطفهن وأحلامهن بالاستقرار والزواج. لقد كان “متصيد النساء”، يمارس النصب والاحتيال عن سبق إصرار وترصد، مستهدفًا النساء في الفنادق الفاخرة بأكادير، متخفيًا وراء قناع الحب والزواج.
عندما واجهت مريم “م.أ” بالحقيقة المرة وطالبته بفسخ الخطوبة وإنهاء العلاقة، انقلب وجهه الحقيقي القبيح. تحول “فارس الأحلام” إلى وحش كاسر، يهدد بالقتل. أرسل لها صورًا له وهو يحمل مسدسًا، وإلى جانبه ثلاث بنادق صيد، رسالة واضحة ومروعة بأن حياتها أصبحت في خطر. “أصبحت مهددة في أية لحظة بالقتل خصوصًا أن هذا الشخص لا يزال حرا طليقا”، تقول مريم بصوت يرتجف، وهي تعيش كل لحظة في خوف وقلق، فالمجرم الذي سلبها أموالها وهدد حياتها لا يزال يتجول بحرية.
لم تكن مريم الضحية الوحيدة لـ “م.أ”. فقد كشفت تحقيقات جريدة “مشاهد” ومصادر متفرقة أخرى عن وجود عدد لا يحصى من الضحايا. سيدة أخرى سلبت منزلها الذي تبلغ قيمته 65 مليون سنتيم، ومغاربة مقيمون بالخارج تعرضوا للنصب في شقق فاخرة، بحجة تسهيل الإجراءات القانونية لشرائها. لقد كان “م.أ” يتقن فن الخداع، يرتدي ملابس وساعات فاخرة ليبدو كشخص ذي مكانة اجتماعية واقتصادية مرموقة، مبعدًا بذلك أي شبهات عنه. كان يدعي أنه يعمل في الأمن تارة، ومهندسًا تارة أخرى، ورجل قانون في أحيان أخرى، كل ذلك للإيقاع بضحاياه. والأكثر إثارة للقلق، أن مريم أكدت أن هذا الشخص يمارس أعمال الشعوذة والسحر على ضحاياه، مما يجعلهن في عالم آخر منفصل عن الواقع، حيث يقوم بغسل أدمغتهن بأكاذيب وأحداث لا وجود لها على أرض الواقع. وحينما يستفقن من سباتهن وغفلتهن، يهددهن بالقتل والتصفية، مستعرضًا امتلاكه لأسلحة مختلفة من مسدسات وبنادق صيد، ليضمن بذلك صمتهن وخضوعهن.
إن قصة مريم ليست مجرد حكاية فردية، بل هي صرخة تحذير لكل امرأة. إنها تسلط الضوء على ظاهرة خطيرة، حيث يستغل النصابون عواطف النساء وأحلامهن لتحقيق مكاسب مادية غير مشروعة. إن بقاء “م.أ” طليقًا يشكل خطرًا حقيقيًا على المجتمع، ويدق ناقوس الخطر بضرورة تضافر الجهود لكشف هؤلاء المحتالين وتقديمهم للعدالة. ففي عالم تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، يبقى الحذر هو الدرع الواقي، والوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة “متصيدي النساء” الذين يتربصون بالضحايا في كل مكان.




