
في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب الترقب والانتظارات، عاد رئيس الحكومة عزيز أخنوش ليضع ورقة الحصيلة على الطاولة، متحدثًا بلغة الأرقام عن ما وصفه بـ”10 إنجازات كبرى” في قطاع البنية التحتية خلال أربع سنوات فقط. عرضٌ يهدف إلى تثبيت صورة حكومة تشتغل بوتيرة متسارعة، لكنه في الآن نفسه يفتح نقاشًا واسعًا حول عمق هذه الإنجازات وأثرها الفعلي على حياة المواطنين.
أبرز ما شدّ الانتباه في هذا العرض هو الحديث عن رفع قدرات تحلية المياه بنسبة 800%، وهو رقم يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في تعاطي المغرب مع أزمة الإجهاد المائي. فالمملكة، التي تواجه سنوات متتالية من الجفاف، وجدت نفسها مضطرة للانتقال من سياسة تدبير الندرة إلى سياسة استباقية قائمة على تنويع مصادر التزود بالماء. مشاريع التحلية، خاصة في المدن الساحلية، لم تعد خيارًا تقنيًا فقط، بل تحوّلت إلى رهان سيادي يرتبط بالأمن المائي والغذائي.
وفي السياق ذاته، أشار أخنوش إلى بناء 7 سدود جديدة خلال الولاية الحكومية، في محاولة لتعزيز البنية التخزينية للمياه. هذا التوجه يندرج ضمن سياسة مائية تقليدية للمغرب، لكنها اليوم تُطرح في سياق مختلف، حيث لم تعد السدود وحدها كافية لمواجهة التغيرات المناخية، ما يطرح تساؤلات حول التكامل بين السدود والتحلية وإعادة استعمال المياه العادمة.
غير أن لغة الإنجاز، كما قدمها رئيس الحكومة، لا تمر دون مساءلة. فالمتابعون يطرحون أسئلة دقيقة: هل انعكست هذه المشاريع على تحسين التزويد بالماء في المناطق القروية؟ هل خفّفت فعلًا من حدة الانقطاعات التي شهدتها بعض المدن؟ ثم ماذا عن الكلفة المالية لهذه المشاريع، ومن يتحملها في نهاية المطاف؟
سياسيًا، يبدو أن الحكومة تسعى من خلال هذا الخطاب إلى استعادة زمام المبادرة، خصوصًا في ظل الانتقادات المرتبطة بغلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. فالبنية التحتية تظل ورقة قوية يمكن تسويقها، لما تحمله من طابع ملموس وقابل للقياس، بعكس ملفات اجتماعية أكثر تعقيدًا.
لكن في العمق، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في عدد المشاريع أو نسب الإنجاز، بل في مدى قدرتها على إحداث تغيير فعلي في حياة المواطنين. فالأرقام الكبيرة قد تثير الانتباه، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الثقة، خاصة في سياق يتطلب شفافية أكبر وربط المسؤولية بالمحاسبة.
بين سردية الإنجاز ونبض الشارع، تستمر معركة التأويل: هل نحن أمام تحول بنيوي حقيقي في سياسة البنية التحتية، أم مجرد إعادة ترتيب للأولويات تحت ضغط الأزمات؟ الجواب، كما جرت العادة، لن يُحسم في التصريحات، بل في واقع يعيشه المواطن يوميًا.




