من 44 إلى 90 مليون قنطار.. موسم الحبوب ينعش آمال المغرب ويكشف هشاشة الرهان الفلاحي

في قلب الحقول الممتدة على مدّ البصر، حيث تعانق السنابل الذهبية ضوء الشمس، يعود الأمل ليتسلل من جديد إلى وجوه الفلاحين في المغرب. موسم فلاحي وُصف بالاستثنائي، وأرقام تعلن انتعاشة قوية بعد سنوات من القلق والترقب، لكن خلف هذا البريق، تختبئ أسئلة أكبر من مجرد حصيلة رقمية.
قبل عام فقط، كان المشهد مختلفًا. حقول شاحبة، إنتاج متواضع لم يتجاوز 44 مليون قنطار، وقلق يتصاعد في القرى كما في دوائر القرار. كان الجفاف عنوان المرحلة، وكانت التوقعات تميل نحو الحذر، إن لم نقل التشاؤم. اليوم، تقف البلاد أمام رقم مضاعف تقريبًا: 90 مليون قنطار من الحبوب، رقم يعيد رسم ملامح موسم وُلد من رحم الأمطار.
لم يكن هذا التحول صدفة، بل نتيجة مباشرة لسماء جادت بما بخلت به في سنوات سابقة. التساقطات المطرية أعادت الحياة للأرض، وشجعت الفلاحين على توسيع المساحات المزروعة التي بلغت 3.9 مليون هكتار، بزيادة لافتة بلغت 48 في المائة. وكأن الأرض نفسها قررت أن تنتقم من سنوات العطش، ففتحت ذراعيها لموسم وفير.
ومع هذا الانتعاش، يرتفع سقف التوقعات لنمو الناتج الفلاحي بحوالي 15 في المائة، وهو رقم كفيل بإعطاء دفعة قوية للاقتصاد الوطني، خصوصًا في العالم القروي حيث ترتبط الحياة اليومية بإيقاع الحصاد. فكل قنطار إضافي لا يعني فقط محصولًا أكبر، بل دخلًا أفضل، وضغطًا أقل على الاستيراد، ونَفَسًا جديدًا في الأسواق.
لكن، وسط هذا التفاؤل، يظل السؤال معلقًا: هل نحن أمام تحول حقيقي أم مجرد سنة استثنائية أخرى؟
الجواب يكمن في عمق النموذج الفلاحي نفسه. فالفلاحة المغربية، رغم كل التطورات، ما تزال رهينة تقلبات المناخ. سنة ممطرة تعني وفرة، وسنة جافة تعني انكماشًا حادًا. وبينهما، يبقى الفلاح معلقًا بين السماء والأرض، ينتظر رحمة الغيث أكثر مما يعتمد على أدوات التحكم.
هذا الموسم، رغم إشراقه، يسلط الضوء على مفارقة واضحة: قدرة كبيرة على التعافي، مقابل هشاشة بنيوية لم تُحسم بعد. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق رقم قياسي في سنة جيدة، بل في ضمان استقرار الإنتاج مهما تغيرت الظروف. وهو ما يمر عبر توسيع السقي، وتحديث التقنيات، وتبني زراعة أكثر مقاومة للتقلبات.
في النهاية، قد يكون موسم الحبوب الحالي قصة نجاح تستحق الاحتفاء، لكنه أيضًا تذكير صريح بأن المعركة الحقيقية لم تُحسم بعد. ففي بلد يزرع الأمل مع كل قطرة مطر، يبقى الرهان الأكبر هو تحرير الفلاحة من مزاج السماء، وبناء مستقبل لا تحدده فقط الغيوم.




