سوس ماسة تراهن على “Waterbox” لإنقاذ التشجير من العطش… تقنية ذكية ترفع نسبة نجاح الغرس إلى أكثر من 95%

في خطوة تعكس تحولا نوعيا في تدبير المجال الغابوي بالمغرب، اختارت جهة سوس ماسة الرهان على الابتكار لمواجهة تحديات الجفاف، عبر اعتماد تقنية “Waterbox” ضمن برامج التشجير، في انسجام تام مع أهداف الوكالة الوطنية للمياه والغابات واستراتيجية غابات المغرب 2020-2030.

الزيارة الميدانية التي قادت والي الجهة سعيد أمزازي رفقة المدير العام للوكالة عبد الرحيم هومي إلى محيط تخليف سيدي بوسحاب بجماعة امسكرود، لم تكن بروتوكولية فقط، بل حملت رسائل واضحة: المغرب يدخل مرحلة جديدة في معركة التكيف مع التغيرات المناخية، عنوانها “التكنولوجيا في خدمة الغابة”.

ففي زمن أصبحت فيه ندرة المياه واقعا يوميا، تبرز تقنية “Waterbox” كحل عملي وذكي. الجهاز، الذي يشبه خزانًا مائيًا دائريًا، يعتمد على تجميع مياه الأمطار والندى، ويقوم بتوزيعها بشكل تدريجي ومتحكم فيه مباشرة نحو جذور الشتلات، ما يقلص من التبخر ويضمن تغذية مستمرة للنبات.

هذه المقاربة لا تكتفي فقط بتوفير الماء، بل تعيد تشكيل طريقة نمو الأشجار، حيث تدفع الجذور إلى التعمق في التربة، مما يعزز قدرتها على الصمود أمام الحرارة والجفاف، وهي نقطة حاسمة خاصة بالنسبة لأصناف حساسة مثل شجرة الأركان.

النتائج الأولية للتجارب الميدانية بجهة سوس ماسة تبدو لافتة، إذ تم تسجيل نسبة بقاء للشتلات تتجاوز 95%، مع تحسن ملحوظ في النمو، وانخفاض كبير في كميات المياه المستعملة. وهي مؤشرات تجعل من هذه التقنية خيارا استراتيجيا، وليس مجرد تجربة معزولة.
كما مكنت هذه الجهود من تشجير أزيد من 1200 هكتار باستعمال “Waterbox”، في خطوة تعزز طموح توسيع الغطاء الغابوي في المناطق الجافة وشبه الجافة.

ففي بعده الاقتصادي، لم يظل المشروع رهين الاستيراد، إذ اشتغلت الوكالة الوطنية للمياه والغابات على تطوير نموذج محلي من الجهاز، ما ساهم في تقليص التكاليف وتكييفه مع الخصوصيات المناخية المغربية، إضافة إلى تسهيل تعميمه على نطاق أوسع.
اعتماد “Waterbox” لا يمثل فقط حلا تقنيا، بل يندرج ضمن رؤية أشمل لتحديث المهن الغابوية، كما نص عليها المحور الثالث من استراتيجية غابات المغرب 2020-2030، التي أطلقها محمد السادس.

هذا التوجه الجديد يهدف إلى حماية الاستثمارات الغابوية، ورفع مردودية عمليات التشجير، والأهم من ذلك، بناء نظم بيئية أكثر صمودا في وجه التغيرات المناخية.
ما يحدث اليوم في سوس ماسة ليس مجرد تجربة تقنية، بل هو تحول في الفلسفة: من تشجير يعتمد على الحظ والتساقطات، إلى تشجير ذكي مبني على العلم والتكنولوجيا.
الرهان الآن، ليس فقط في نجاح التجربة، بل في سرعة تعميمها وطنيا، خاصة في ظل التحديات المناخية المتسارعة.




