ZOOM TVاقتصادية

سوس ماسة تربح رهان الماء: كيف تقود الحلول المبتكرة والجيل الأخضر تحول الفلاحة المغربية؟

إعداد : أمين الناجي

تصوير : محمد بوقسيم

مع أولى ساعات الصباح في ضيعات اشتوكة، لم يعد الفلاح ينتظر الغيث كما في السابق، بل أصبح يراقب مؤشرات الماء بعين القلق والحساب. في جهة تُعد القلب النابض للفلاحة المغربية، حيث تؤمّن نسبة كبيرة من حاجيات السوق الوطنية وصادرات الخضر والفواكه، أصبح الماء عنصراً حاسماً يحدد استمرار النشاط الفلاحي من عدمه.

ورغم التساقطات المطرية الأخيرة التي ساهمت في تحسين وضعية السدود نسبياً، فإن التحدي المائي في سوس ماسة لم يعد ظرفياً، بل تحول إلى رهان استراتيجي يفرض إعادة التفكير في طرق تدبير الموارد المائية وضمان استدامتها.

وشهدت جهة سوس ماسة خلال الفترة الأخيرة تحسناً ملحوظاً في الوضعية المائية بفضل التساقطات التي ساهمت في رفع حقينة السدود والتخفيف من حدة الضغط على الموارد المائية. هذا التحسن أعاد بعض التوازن للنشاط الفلاحي، ومنح الفلاحين متنفساً بعد سنوات صعبة.

غير أن هذا الانفراج، رغم أهميته، يعزز في العمق التوجه الاستراتيجي نحو حلول مستدامة، بدل الاعتماد على التقلبات المناخية. فالتجربة أكدت أن ضمان الأمن المائي يمر عبر تنويع مصادر المياه وتحسين نجاعة استعمالها.

في هذا السياق، تقود وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات تحولاً عميقاً في تدبير الموارد المائية، ضمن استراتيجية الجيل الأخضر 2020–2030، التي جعلت من الاستدامة والنجاعة في استعمال الماء أولوية وطنية.

ومن أبرز المشاريع المهيكلة، محطة تحلية مياه البحر باشتوكة، التي تُعد نموذجاً مبتكراً لتأمين مياه السقي بشكل مستقل عن التساقطات المطرية، حيث توفر مورداً مائياً مستقراً لفائدة الضيعات الفلاحية، خاصة في المناطق الأكثر عرضة للإجهاد المائي.

كما يشرف المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بسوس ماسة على تنزيل برامج تحديث شبكات الري وتوسيع اعتماد تقنيات الاقتصاد في الماء، إلى جانب تأطير الفلاحين ومواكبتهم في الانتقال نحو ممارسات أكثر استدامة.

بفضل هذه الجهود، شهدت الجهة تحولاً ملحوظاً في طرق السقي، حيث أصبح نظام التنقيط يشمل أكثر من 90 في المائة من المساحات المسقية، ما ساهم في تحسين مردودية المياه وتقليص الهدر.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت الضيعات الفلاحية في اعتماد تقنيات أكثر تطوراً، من بينها الحساسات الذكية لقياس رطوبة التربة، و تطبيقات رقمية لتحديد الحاجيات المائية بدقة، وكذا تقنيات الزراعة خارج التربة.
كما برزت مبادرات مبتكرة، مثل تجربة الري الذكي التي تقودها جمعيات مهنية بشراكة مع مؤسسات عمومية، في إطار تعزيز النجاعة المائية والانتقال نحو فلاحة عصرية تعتمد على المعطيات والتكنولوجيا.

ولا يقتصر هذا التحول على البنيات التحتية والتقنيات فقط، بل يشمل أيضاً تعزيز دور الفلاح كشريك أساسي في تدبير الموارد المائية. فقد ساهمت برامج التأطير والتكوين في رفع وعي الفلاحين بأهمية الاقتصاد في الماء، وتشجيعهم على تبني ممارسات حديثة تراعي الاستدامة.

كما تلعب الغرفة الفلاحية ومختلف الفاعلين الترابيين دوراً محورياً في مواكبة هذه الدينامية، من خلال الترافع عن قضايا الفلاحين، وتسهيل ولوجهم إلى البرامج والدعم التقني.

ورغم التقدم المحقق، ما تزال بعض التحديات قائمة، خاصة ما يتعلق بتعميم الاستفادة من التقنيات الحديثة، وتعزيز قدرات الفلاحين الصغار على الولوج إلى حلول الري المتطورة.

غير أن الدينامية التي تعرفها الجهة، مدعومة بالاستثمارات العمومية والتوجهات الاستراتيجية، تؤشر على قدرة حقيقية لتجاوز هذه الإكراهات، وتحقيق انتقال تدريجي نحو نموذج فلاحي أكثر استدامة ومرونة.

بين تقلبات المناخ وتحديات الموارد، تواصل جهة سوس ماسة رسم معالم نموذج جديد في تدبير المياه، يقوم على النجاعة والابتكار والتخطيط الاستراتيجي.

وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن الجمع بين الحلول التقنية، كتحلية مياه البحر والري الذكي، والسياسات العمومية الطموحة، كفيل بضمان استمرارية النشاط الفلاحي وتعزيز الأمن الغذائي.

في سوس ماسة، لم يعد تدبير الماء مجرد ضرورة ظرفية، بل أصبح خياراً استراتيجياً لمستقبل فلاحي مستدام، ينسجم مع رؤية المغرب في إطار الجيل الأخضر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى