نادية الغرباوي… فنانة شابة تشق طريقها بين الغناء والتمثيل الأمازيغي

بقلم : محمد وعراب
تعد نادية الغرباوي من الوجوه الفنية الشابة التي استطاعت أن تبرز في الساحة الفنية الأمازيغية خلال السنوات الأخيرة، حيث جمعت بين الغناء والتمثيل ونجحت في ترك بصمتها في كلا المجالين.

وقد عُرفت بصوتها القوي والعذب وأدائها المميز لفنون أحواش، إلى جانب مشاركتها في عدد من الأفلام والمسلسلات الأمازيغية التي لاقت انتشارا واسعا لدى الجمهور المهتم بالإنتاج الفني الأمازيغي. وتمثل مسيرتها الفنية نموذجا لجيل جديد من الفنانين الذين يسعون إلى الحفاظ على التراث الأمازيغي وتطويره في الوقت نفسه.

ولدت نادية الغرباوي أوساط التسعينات في مدينة الدشيرة بعمالة انزكان لكن اصولها من سيدي رحال اقليم الحوز، ونشأت في بيئة ثقافية أمازيغية غنية بالموسيقى والفنون الشعبية. وقد كان لهذا الوسط الثقافي دور كبير في تكوين شخصيتها الفنية منذ سن مبكرة، حيث تأثرت بالأغاني التقليدية وفنون الرقص والغناء المرتبطة بثقافة أحواش، وهو أحد أبرز الألوان الفنية في مناطق سوس والأطلس. ومن خلال هذا الاحتكاك المبكر بالتراث الموسيقي الأمازيغي، بدأت ملامح موهبتها في الظهور، خاصة في الغناء والأداء الفني على الخشبة.

بدأت مسيرتها الفنية الفعلية سنة 2011، عندما كانت لا تزال في سن صغيرة نسبيا، لكنها استطاعت بسرعة أن تفرض اسمها في الوسط الفني الأمازيغي. وقد ساعدها في ذلك دعم عدد من الفنانين الأمازيغ المعروفين في مجال فن الروايس، وهو الفن التقليدي الذي يجمع بين الشعر والغناء والعزف، ويعد من أهم أشكال التعبير الثقافي في مناطق سوس. وقد استفادت نادية الغرباوي من تجربة هؤلاء الفنانين ومن خبرتهم الفنية، ما منحها فرصة تطوير موهبتها وصقل قدراتها في الغناء والأداء.

في مجال الغناء، عرفت نادية الغرباوي بأدائها لفنون أحواش والموسيقى الأمازيغية العصرية التي تمزج بين الإيقاعات التقليدية واللمسات الموسيقية الحديثة. وقد أصدرت عدة أعمال غنائية، وشاركت في أكثر من خمسين فيديو كليب، وهو رقم يعكس نشاطها الفني الكبير خلال فترة قصيرة نسبيا. وتتميز أعمالها الغنائية بحضور قوي للهوية الأمازيغية سواء في الكلمات أو الألحان أو اللباس التقليدي الذي يظهر في العديد من كليباتها. كما استطاعت من خلال هذه الأعمال أن تصل إلى جمهور واسع داخل المغرب وخارجه، خاصة بين محبي الأغنية الأمازيغية.
ومن بين أهم المحطات في مسيرتها الغنائية تعاونها مع عدد من الفنانين الأمازيغ المعروفين، من أبرزهم الفنانة فاطمة تبعمرانت، التي تعد واحدة من أهم رموز الأغنية الأمازيغية في المغرب. وقد شكل هذا التعاون فرصة مهمة لنادية الغرباوي للتعلم والاستفادة من تجربة فنية طويلة، كما ساعدها على تعزيز حضورها في الساحة الفنية وإبراز موهبتها إلى جانب أسماء فنية كبيرة.

إلى جانب الغناء، خاضت نادية الغرباوي تجربة التمثيل في عدد من الأفلام الأمازيغية التي أنتجت في إطار دعم الإنتاج السمعي البصري باللغة الأمازيغية، خاصة تلك المرتبطة بالقنوات والإذاعات الأمازيغية. وقد استطاعت أن تظهر قدرات تمثيلية مميزة، مما جعلها تحظى بفرص متعددة للمشاركة في أعمال فنية متنوعة.
ومن أبرز الأفلام التي شاركت فيها فيلم (تجبر أورتلا إيمي) الذي عرض سنة2013، ويعد من الأعمال التي ساهمت في التعريف بها لدى جمهور السينما الأمازيغية. كما شاركت في نفس السنة في فيلم (إتران أوزال)، وهو عمل فني آخر لاقى متابعة من الجمهور المهتم بالأفلام الأمازيغية. واستمرت مشاركاتها في هذا المجال من خلال أفلام أخرى مثل أمان أورفان_ وتامنت أرزاكن_تنميرت .تجير ورتلا امي. خلال سنة2016، حيث قدمت أدوارا مختلفة أظهرت قدرتها على التنقل بين شخصيات متعددة في الدراما الأمازيغية.
كما شاركت نادية الغرباوي في المسلسل الأمازيغي المعروف بابا علي، حيث أدت دورا إلى جانب شقيقتها تلمحفوضين، وهو ما أضفى على العمل طابعا خاصا وجعل الجمهور يتابع أداءهما المشترك. وقد ساهمت هذه المشاركة في تعزيز حضورها في مجال الدراما التلفزيونية الأمازيغية، خاصة وأن مسلسل (بابا علي) يعد من الأعمال التي تحظى بمتابعة واسعة بين الجمهور الناطق بالأمازيغية.
وتتميز نادية الغرباوي بأسلوب فني يجمع بين الأصالة والتجديد، فهي تحرص في أعمالها على الحفاظ على روح التراث الأمازيغي، سواء من خلال الأغاني التقليدية أو من خلال اللباس والرقصات المرتبطة بفن أحواش، لكنها في الوقت نفسه تحاول تقديم هذا التراث بأسلوب معاصر يواكب تطور الإنتاج الموسيقي والمرئي. وهذا التوازن بين الأصالة والحداثة هو أحد العوامل التي ساعدت على انتشار أعمالها بين فئة الشباب.
كما أن حضورها القوي على منصات الفيديو ومواقع التواصل الاجتماعي ساهم في انتشار أعمالها بشكل واسع، حيث يتابعها جمهور كبير من محبي الفن الأمازيغي الذين يحرصون على متابعة جديدها سواء في الغناء أو التمثيل. وقد أصبحت العديد من كليباتها تحقق نسب مشاهدة مهمة، ما يعكس الاهتمام المتزايد بالأغنية الأمازيغية وبالفنانين الشباب الذين يعملون على تطويرها.
ولا يقتصر دور نادية الغرباوي على الأداء الفني فقط، بل تعد أيضا من الفنانات اللواتي يساهمن في الحفاظ على التراث الثقافي الأمازيغي ونقله إلى الأجيال الجديدة. فمن خلال مشاركاتها الفنية وأعمالها الغنائية والتمثيلية، تعمل على إبراز جمال اللغة الأمازيغية وثقافتها الغنية، كما تساهم في التعريف بالعادات والتقاليد المرتبطة بالمجتمع الأمازيغي.
ومن بين الجوانب التي ميزت المسار الفني للفنانة نادية الغرباوي انفتاحها على تجارب فنية متنوعة خارج الإطار التقليدي للأغنية الأمازيغية. فقد اشتغلت نادية الغرباوي مع فنانين من الأطلس كمجموعة حوسي 46 ومجموعة الحسنية بنفس المنطقة وكذلك الفنان الشعبي الكبير عبد الله الداودي. جمعت أو مزجت خليط من الفن المغربي الاطلسي والشعبي والامازيغي رغم صغر سنها.
وكذلك الصعوبات التي واجهتها في مسارها الفني، خاصة في ظل غياب الدعم الكافي للفنانين الشباب في مجال الأغنية الأمازيغية. ورغم هذه التحديات، استطاعت أن تشق طريقها بثبات وإصرار، معتمدة أساسا على نفسها وإمكانيتها الخاصة. فهي فنانة عصامية اعتمدت على نفسها وامكانيتها، والآن نادية تشق طريقها بثبات داخل الساحة الفنية الأمازيغية.
وفي ظل استمرار نشاطها الفني وتزايد حضورها في الساحة الفنية الأمازيغية، يتوقع أن تواصل نادية الغرباوي تطوير مسيرتها وتقديم أعمال جديدة في مجالي الغناء والتمثيل. فالموهبة التي تمتلكها، إلى جانب تجربتها المتراكمة منذ أكثر من عقد من الزمن، تجعلها واحدة من الفنانات الشابات اللواتي لهن دور مهم في مستقبل الفن الأمازيغي بالمغرب.




