وطنية

مسار عقود من القطيعة الدبلوماسية.. لماذا قطع المغرب علاقاته مع إيران؟

لم يكن قرار الرباط قطع علاقاتها مع إيران حدثاً دبلوماسياً عادياً يُدرج في خانة التوترات العابرة بين الدول.

بالنسبة للمغرب، كان الأمر يتعلق بملفين سياديين بامتياز: الأمن الروحي للمملكة والوحدة الترابية. وبين هذين العنوانين، تشكلت معالم موقف مغربي واضح وحازم امتد على مدى سنوات.

فمع قيام الثورة الإيرانية وصعود خطابها العابر للحدود، بدأت عدة دول عربية تراقب بقلق ما اعتبرته توجهاً نحو تصدير النموذج الثوري. المغرب لم يكن استثناءً.

فالرباط، التي يقوم نظامها الدستوري على إمارة المؤمنين والمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية، تعتبر الاستقرار الديني جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي. لذلك، عندما أعلنت سنة 2009 قطع العلاقات مع طهران، كان التبرير الرسمي واضحاً: أنشطة تمس بالهوية الدينية للمغاربة ومحاولات اختراق مذهبي مرفوض.

من زاوية مغربية، لم يُنظر إلى القرار كخلاف عقائدي، بل كإجراء احترازي لحماية توازن ديني ظل عبر القرون أحد أعمدة الاستقرار الوطني.

إذا كانت محطة 2009 مرتبطة بالبعد الديني، فإن قرار 2018 نقل الأزمة إلى مستوى أكثر خطورة.

ففي ماي من تلك السنة، أعلن وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة قطع العلاقات مجدداً، متهماً طهران، عبر حزب الله، بتقديم دعم عسكري وتدريب لعناصر من جبهة البوليساريو.

قضية الصحراء بالنسبة للمغرب ليست ملفاً تفاوضياً عادياً، بل قضية سيادة ووحدة ترابية تحظى بإجماع وطني. ومن هذا المنطلق، اعتُبر أي دعم عسكري لخصوم المملكة مساساً مباشراً بالأمن القومي.

مصادر دبلوماسية مغربية شددت آنذاك على أن القرار استند إلى معطيات دقيقة، وأن الرباط فضّلت الوضوح بدل إدارة الأزمة في الخفاء.

رغم محاولات ربط القرار بسياقات إقليمية أو اصطفافات دولية، حرص المغرب على التأكيد أن خطوته مستقلة بالكامل.

الرباط، التي راكمت شبكة علاقات متوازنة مع قوى كبرى وإقليمية، تعتبر أن حماية ثوابتها الاستراتيجية لا تخضع لمنطق التوازنات الظرفية.

في الحسابات المغربية، لا يمكن المقايضة بين علاقات دبلوماسية وبين وحدة التراب أو الاستقرار الديني.

في الخطاب الرسمي المغربي، لا وجود لعداء دائم، بل لمواقف مرتبطة بالسلوك.

عودة العلاقات، إن حصلت، تظل مشروطة باحترام مبدئين واضحين:

  • عدم التدخل في الشؤون الداخلية للمملكة.
  • احترام الوحدة الترابية وعدم دعم أي أطراف مناوئة.

إلى حدود الساعة، لا مؤشرات عملية على تغير جوهري في هذا الملف، ما يجعل القطيعة قائمة.

من منظور مغربي، لم يكن قطع العلاقات مع إيران تصعيداً بقدر ما كان إعادة ترسيم للخطوط الحمراء.

الرسالة التي أرادت الرباط إيصالها واضحة:

السيادة الدينية والوحدة الترابية ليستا موضوع تفاوض، بل ثوابت تحكم السياسة الخارجية للمملكة مهما تغيرت السياقات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى