
تحقيق – امين الناجي
قبل نصف قرن، عندما خطت أقدام المغاربة على رمال الصحراء في المسيرة الخضراء، كانت الأرض هنا قصة عطش وصمت. لم يكن في الأفق ما يوحي بأن هذه البقعة القاحلة قد تتحول يوماً إلى سلة غذاء، أو أن مياه المحيط المالحة ستروي يوماً حقول الطماطم والفلفل. لكن المسيرة لم تكن مجرد استعادة للأرض، بل كانت وعداً ببناء حياة فوقها. اليوم، في جهة العيون الساقية الحمراء، نرى فصول هذا الوعد تتحقق: صحراء تنبض بالحياة، ومشاريع تروي قصة إرادة وتحدٍ وابتكار. هذا التحقيق ليس مجرد رصد لمشاريع فلاحية، بل هو رحلة إلى قلب التحول الذي يعيد تعريف علاقة الإنسان بالصحراء.
معجزة الماء… صنع الحياة من العدم

على بعد كيلومترات قليلة من مدينة العيون، حيث تلتقي الرمال بزرقة المحيط، تقف قلاع إسمنتية حديثة تعمل بصمت. هذه ليست مصانع عادية، بل هي “مصانع الماء”. هنا، في محطات تحلية مياه البحر، تبدأ الحكاية.
يقول المدير الجهوي للفلاحة بجهة العيون الساقية الحمراء، عبد الرحمان العمري:
“هنا في العيون، الماء لا يُستخرج من باطن الأرض، بل يُصنع من قلب المحيط. بدون هذه المحطات، كل ما تراه من اخضرار حولك سيعود إلى ما كان عليه: مجرد رمال.”
لم يكن هذا خياراً، بل كان ضرورة حتمية لضمان الأمن المائي والغذائي للمنطقة، ومع كل قطرة ماء محلّى تضخ في شرايين الحقول، تولد ضيعة جديدة، وتُكتب قصة نجاح أخرى في مناطق مثل فم الواد وبوكراع، التي كانت حتى الأمس القريب مجرد أراضٍ قاحلة.
بساتين فوق الرمال… ثورة البيوت البلاستيكية

المشهد هنا سريالي. على امتداد البصر، تتلألأ بيوت بلاستيكية بيضاء فوق بحر من الرمال الذهبية. بداخلها، تنمو صفوف من الطماطم الكرزية والفلفل الملون والخيار، وكأنها لوحة فنية تتحدى قوانين الطبيعة.
يشرح فلاح شاب، وهو يتفقد نظام الري بالتنقيط في ضيعته التي لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات:
“كانوا يقولون لنا إن الصحراء لا تُزرع. اليوم، نحن لا نزرع فقط، بل ننتج محاصيل تنافس بجودتها أفضل المزارع في المغرب. السر ليس في التربة، بل في التكنولوجيا: أنظمة مؤتمتة تتحكم في كل قطرة ماء وفي درجة الحرارة والرطوبة بدقة متناهية.”
هذه الضيعات لم تعد مجرد مشاريع فردية، بل أصبحت تشكل اقتصاداً أخضر مصغراً، يوفر فرص عمل لشباب المنطقة الذين تسلحوا بالمعرفة في معاهد التكوين الفلاحي، ليحولوا التحدي إلى فرصة حقيقية.
سفينة الصحراء تبحر نحو المستقبل

لا تكتمل قصة الفلاحة في العيون دون الحديث عن الإبل، “سفينة الصحراء” التي كانت ولا تزال رمزاً ثقافياً واقتصادياً. لكن هذا الرمز التقليدي يعيش اليوم تحولاً جذرياً.
في سوق الإبل الأسبوعي، لم يعد الأمر يقتصر على بيع وشراء المواشي. يقول أحد “الكسّابة” المخضرمين وهو يرتشف الشاي:
“الزمن تغير. في الماضي، كانت الإبل مصدراً للحم والتنقل. اليوم، أصبح حليبها ذهباً أبيض. التعاونيات النسائية تأخذ الحليب وتصنع منه الصابون ومستحضرات التجميل ومنتجات غذائية مبتكرة.”
هذه المشاريع الصغيرة، التي تدعمها برامج التنمية المحلية، لا تفتح فقط أسواقاً جديدة لمنتجات الإبل، بل تمنح المرأة الصحراوية دوراً محورياً في الاقتصاد، وتمزج بين التراث العريق وريادة الأعمال الحديثة.
جيل المسيرة الجديد… شباب يراهنون على الأرض

أبرز ما يميز هذا التحول هو بزوغ فجر جيل جديد من رواد الأعمال. شباب متعلمون، كان بإمكانهم البحث عن وظيفة حكومية مضمونة، لكنهم اختاروا الطريق الأصعب والأكثر إثارة: الاستثمار في الأرض.
في ضيعة حديثة قرب الميناء الجديد، قابلنا مقاولاً شاباً عاد من أكادير بشهادته في الهندسة الزراعية. يقول بحماس:
“الجميع كان يسألني: لماذا تعود إلى الصحراء؟ كنت أجيبهم: لأن الصحراء ليست عائقاً، بل هي أكبر فرصة. هنا، الأرض شاسعة، والدعم الحكومي متوفر، والسوق متعطش للمنتجات المحلية. المستقبل يُصنع هنا، وليس في أي مكان آخر.”
هذا التحول في العقلية، من انتظار الوظيفة إلى خلق الفرصة، هو المحرك الحقيقي للتنمية المستدامة في الجهة.
الصحراء ليست نهاية الطريق… بل بدايته

ما يحدث اليوم في العيون يتجاوز كونه مجرد نجاح فلاحي. إنه تجسيد حي لروح المسيرة الخضراء: تحويل أرض قاحلة إلى فضاء للحياة، وجعل الإنسان هو قلب التنمية وهدفها الأسمى.
من رمال كانت ترمز للفراغ، وُلدت حقول خضراء. ومن مياه المحيط المالحة، وُلدت مشاريع تروي العطش. ومن تراث الإبل، وُلدت قيمة مضافة. ومن همم الشباب والنساء، وُلد اقتصاد جديد.
وهكذا، بينما كانت المسيرة الخضراء قبل خمسين عاماً ملحمة لتحرير الأرض، فإن ما نشهده اليوم هو “مسيرة خضراء جديدة”، ملحمة لبناء المستقبل فوق هذه الأرض ذاتها.




