محمد وعراب: الصحراء المغربية.. خمسون سنة من المسيرة والتنمية بين ملكين

بقلم : محمد وعراب
من ملحمة التحرير إلى ورش البناء

في السادس من نونبر سنة 1975، أطلق جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه نداءه التاريخي إلى أبناء شعبه الأوفياء، معلنا عن المسيرة الخضراء المظفرة التي شارك فيها أكثر من 350 ألف مغربي ومغربية، حاملين القرآن والأعلام الوطنية في ملحمة سلمية فريدة من نوعها في التاريخ الإنساني.
بهذا الحدث الاستثنائي، أعلن المغرب للعالم أجمع أن الصحراء جزء لا يتجزأ من ترابه الوطني، وأن الشعب والعرش جسد واحد في الدفاع عن السيادة والوحدة الترابية.
كانت تلك اللحظة نقطة تحول في تاريخ المغرب الحديث، إذ لم تكن المسيرة مجرد استرجاع للأرض، بل كانت انطلاقة لمرحلة جديدة من البناء والتنمية في الأقاليم الجنوبية. الحسن الثاني، برؤيته الثاقبة، وضع الأسس الأولى لإدماج هذه الربوع في الدينامية الوطنية من خلال البنيات التحتية، والتعليم، والتعمير، والاهتمام بالساكنة.
محمد السادس. مسيرة تنمية مستمرة

جاء عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله ليمنح للمسيرة الخضراء بعدا تنمويا واستراتيجيا غير مسبوق. فمنذ اعتلائه العرش سنة 1999، حرص جلالته على تحويل الصحراء المغربية إلى نموذج تنموي متكامل يزاوج بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي.
ففي سنة 2015، أطلق الملك مشروع النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، وهو ورش وطني كبير رصدت له اعتمادات تفوق 80 مليار درهم، يهدف إلى تحويل الأقاليم الجنوبية إلى مركز اقتصادي وتجاري يربط المغرب بعمقه الإفريقي.
وقد شملت هذه المشاريع الضخمة.
ميناء الداخلة الأطلسي، أحد أكبر الموانئ في إفريقيا.
الطريق السريع تزنيت الى الداخلة، الذي يربط شمال المملكة بجنوبها.
مناطق صناعية وسياحية جديدة، ومشاريع للطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية والريحية.
دعم التعليم العالي والبحث العلمي بإنشاء جامعات ومراكز تكوين في العيون والداخلة.
تعزيز التنمية البشرية والاجتماعية عبر برامج الصحة والسكن والشغل.
كل هذه الأوراش تؤكد أن الصحراء المغربية تعيش اليوم عصرها الذهبي في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من تنميتها أولوية وطنية واستراتيجية دولية.
إشعاع دولي وسيادة معترف بها

لم تتوقف المسيرة عند حدود التنمية، بل امتدت إلى الدبلوماسية القوية التي كرست مغربية الصحراء في المحافل الدولية.
ففي السنوات الأخيرة، اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على الصحراء، وافتتحت أزيد من 30 دولة قنصلياتها في مدينتي العيون والداخلة، وهو اعتراف صريح بشرعية الموقف المغربي.
كما أن مجلس الأمن الدولي وصف المقترح المغربي للحكم الذاتي بأنه الحل الواقعي والجاد، ما جعل الصحراء المغربية اليوم في قلب السياسات الإقليمية الإفريقية، ومعبرا للتعاون الاقتصادي جنوب-جنوب، خصوصا بعد أن دعا الملك محمد السادس إلى جعل الساحل الإفريقي جزءا من الفضاء الأطلسي.
خمسون سنة من الوحدة والازدهار

خمسون سنة مرت منذ المسيرة الخضراء، لم تكن سنوات انتظار بل كانت سنوات إنجاز واستثمار وتنمية، جمعت بين جيلين من القيادة الملكية.
الحسن الثاني الذي حرر الأرض
ومحمد السادس الذي عمرها وبناها.
اليوم، أصبحت الصحراء المغربية عنوانا للوحدة الوطنية والنهضة الشاملة، وفضاء جاذبا للاستثمار والسياحة والطاقات المتجددة، ومصدر فخر لكل مغربي.
إنها قصة وطن آمن بعدالة قضيته، ومضى في مسيرة لا تتوقف من التحرير إلى التنمية، ومن السيادة إلى الازدهار.
في الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، نقف إجلالا لروح الحسن الثاني، واعتزازا بمسيرة محمد السادس نصره الله، ووفاء لشعبٍ لم يتخل يوما عن حب وطنه ووحدته.
الصحراء مغربية وستظل مغربية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.




