اقتصادية

في 90 يوماً فقط.. 102 هيئة حرفية تعيد رسم خريطة الصناعة التقليدية بالمغرب

في زمن الإصلاحات المتسارعة، لم يعد قطاع الصناعة التقليدية ذلك المجال “المنسي” في هوامش السياسات العمومية، بل بات اليوم في قلب التحولات الكبرى التي تراهن عليها الدولة لإعادة الاعتبار للاقتصاد الاجتماعي والتضامني. آخر هذه الإشارات القوية، إحداث 102 هيئة حرفية في ظرف قياسي لم يتجاوز ثلاثة أشهر، موزعة على سبع جهات بالمملكة.

بلاغ كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية كشف أن هذا الرقم ليس مجرد معطى إحصائي، بل يعكس تحولا عميقا في طريقة تنظيم الحرفيين، من خلال الانتقال نحو نموذج مهني حديث قائم على التأطير الذاتي وتعزيز التمثيلية. خطوة تُقرأ كجزء من ورش إصلاحي أوسع يسعى إلى تأهيل القطاع ورفع تنافسيته في سوق يزداد شراسة، داخليا وخارجيا.

الأرقام تحمل دلالات واضحة: جهة كلميم واد نون تتصدر بـ30 هيئة، من بينها 4 جهوية، تليها الدار البيضاء – سطات بـ26 هيئة، ثم العيون الساقية الحمراء بـ21، فالشرق بـ13. في حين توزعت باقي الهيئات بين الداخلة – وادي الذهب (7)، بني ملال – خنيفرة (3)، وطنجة – تطوان – الحسيمة (2). توزيع يكشف عن دينامية غير متكافئة، لكنه يعكس أيضا خصوصيات كل جهة ومدى جاهزية نسيجها الحرفي للانخراط في هذا التحول.

ولعل أبرز ما يميز هذا الورش، هو تنوع المجالات الحرفية التي شملها: من الحلاقة والتجميل، إلى إصلاح وسائل النقل، مرورا بالحلي والمجوهرات، وصولا إلى المعمار التقليدي وصناعات الجلد والخشب والمعادن والعطور. فسيفساء مهنية تعكس ثراء الهوية الحرفية المغربية، لكنها في الآن ذاته تطرح تحدي التثمين والتسويق في عصر الرقمنة والعولمة.

الرهان اليوم لم يعد فقط إحداث هيئات، بل ضمان نجاعتها واستدامتها. وهو ما حاولت الوزارة تأمينه عبر لقاءات جهوية تحسيسية وتنسيق مباشر مع غرف الصناعة التقليدية، إضافة إلى مواكبة الحرفيين المسجلين في السجل الوطني، وتوفير الدعم اللوجستيكي اللازم. مقاربة تشاركية تسعى إلى إشراك كل الفاعلين، من مؤسسات وتعاونيات وجمعيات، في إنجاح هذا التحول.

لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحا: هل ستنجح هذه الهيئات في الانتقال من مجرد إطار تنظيمي إلى قوة اقتراحية واقتصادية حقيقية؟ وهل ستتمكن من تحسين دخل الحرفيين وحماية المهن التقليدية من الاندثار؟

ما هو مؤكد، أن المغرب يضع اليوم لبنة جديدة في مسار إعادة هيكلة قطاع طالما شكل جزءا من هويته الثقافية والاقتصادية. ورش مفتوح على كل الاحتمالات… بين طموح التحديث، وتحديات الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى