أش واقع

المستشفى الجامعي بأكادير.. عام من الرهان على الطب المغربي

زووم نيوز – أكادير

حين يُبنى مستشفى جامعي بهذا الحجم في مدينة مثل أكادير، فإن الأمر لا يتعلق فقط بإضافة مؤسسة صحية جديدة، بل بإعادة رسم ملامح العرض الطبي في جهة سوس ماسة، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من الطب المتخصص والتكوين والكفاءات.

هذا هو الرهان الذي يحمله اليوم المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير، الذي أصبح خلال فترة وجيزة واحداً من أبرز معالم المنظومة الصحية بالجهة، مستفيداً من بنية حديثة وتجهيزات متطورة، والأهم من ذلك من أطباء وأساتذة وممرضين وأطر اختاروا الانخراط في هذه التجربة والمساهمة في تطويرها.

وبينما تنشغل بعض النقاشات حول المستشفى بما قد يظهر من نقائص، تبرز في المقابل صورة أخرى تستحق أن تحظى بالاهتمام: مشروع صحي عمومي كبير، وكفاءات مغربية تشتغل داخله، وتجربة لا تزال في بدايتها وتملك هامشاً واسعاً للتطور.

ومن هذه الزاوية، فإن إنصاف المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس لا يعني تقديمه باعتباره مؤسسة بلا نقائص، وإنما يعني أيضاً الاعتراف بما تحقق، وتثمين العمل اليومي لأطره، ومواكبة هذه التجربة بما يساعدها على النجاح وخدمة المواطن على الوجه المطلوب..

على مساحة تناهز 30 هكتاراً، وبطاقة استيعابية تصل إلى 867 سريراً، يشكل المركز واحداً من أبرز المشاريع الصحية التي عرفتها جهة سوس ماسة خلال السنوات الأخيرة.

ويضم المركز أقطاباً طبية وجراحية متعددة، إلى جانب جناح مركزي للجراحة يضم 19 غرفة عمليات، ومصالح للمستعجلات، ومختبرات، وصيدلية مركزية، فضلاً عن منظومة للتكوين والمحاكاة الطبية.

كما يمثل إدماج التكنولوجيا الحديثة أحد أبرز ملامح هذه التجربة، خصوصاً مع اعتماد الروبوت الجراحي، بما يعكس التوجه نحو إدماج التقنيات الطبية الحديثة وتوفير إمكانيات علاجية متطورة داخل القطاع الصحي العمومي.

وهي خطوة تحمل دلالة مهمة: المواطن المغربي أصبح أمام مؤسسة عمومية تتوفر على تجهيزات وتقنيات كانت، إلى وقت قريب، مرتبطة في أذهان الكثيرين بمؤسسات استشفائية كبرى خارج المغرب.

لكن خلف كل هذه الأرقام والتجهيزات توجد نقطة أكثر أهمية: الكفاءات البشرية.

فالمستشفى لا يشتغل بالآلات وحدها، وإنما بأطباء وأساتذة جامعيين وأطباء داخليين ومقيمين وممرضين وتقنيين وأطر إدارية، يعملون بشكل يومي من أجل ضمان استمرار الخدمات الطبية والاستشفائية.

وتبرز داخل هذه التجربة أسماء من الكفاءات الطبية المغربية الشابة التي اختارت العمل داخل الوطن، من بينها البروفيسور أيوب المدني، والبروفيسورة دنيا دواح، والبروفيسور مهدي الزواوي، والبروفيسور عبد الصمد الخراجي، والبروفيسور امبارك أزواوي، والبروفيسور مروان المداري، إلى جانب أطباء وأساتذة وأطر صحية أخرى.

والحديث عن هذه الكفاءات ليس مجرد حديث عن أسماء، بل عن جيل من الأطباء المغاربة الذين اختاروا أن يجعلوا من المستشفى الجامعي فضاءً للممارسة الطبية والتكوين وتبادل الخبرات.

وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط القوة في التجربة.

في وقت أصبحت فيه هجرة الكفاءات الطبية موضوعاً يحظى باهتمام واسع، فإن وجود أطباء وأساتذة ومهنيين مغاربة داخل مؤسسة جامعية حديثة بأكادير يحمل رسالة إيجابية.

رسالة مفادها أن المغرب يتوفر على كفاءات قادرة على الاشتغال داخل مؤسسات طبية متطورة، وأن تطوير البنيات الصحية يمكن أن يفتح بدوره المجال أمام الأطباء والمهنيين لممارسة تخصصاتهم داخل بلدهم.

والمطلوب هنا ليس تقديم صورة مثالية أو القول إن كل شيء أصبح مكتملاً، وإنما إبراز الجانب الإيجابي من التجربة: بناء المستشفى وتوفير التجهيزات لا يكفي، لكن استقطاب الكفاءات وتكوين أجيال جديدة من الأطباء يمثلان استثماراً حقيقياً في مستقبل الصحة بالمغرب.

وتزامن دخول المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس الخدمة مع مرحلة مهمة في إعادة ترتيب العرض الصحي بأكادير، خصوصاً مع خضوع المركز الاستشفائي الجهوي الحسن الثاني لأشغال الإصلاح وإعادة التأهيل.

وهذا المعطى جعل الضغط على المؤسسة الجامعية أكبر، في وقت كان يفترض فيه أن تنطلق تدريجياً في تثبيت طريقة اشتغالها وتطوير منظومتها الداخلية.

ورغم ذلك، واصلت مختلف المصالح والأطر أداء مهامها في مؤسسة حديثة العهد، تستقبل حالات مرضية من مجال ترابي واسع، وتضطلع في الوقت نفسه بوظيفة استشفائية وجامعية وتكوينية.

لا أحد يقول إن المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير وصل إلى مرحلة الكمال، ولا توجد مؤسسة صحية في العالم يمكن اعتبارها خالية من النقائص.

ومن حق المواطن أن ينتقد، وأن يطرح أسئلته، وأن يطالب بتحسين الاستقبال والخدمات وتقليص آجال الانتظار ومعالجة أي اختلال يواجهه.

لكن في المقابل، فإن الإنصاف يقتضي أيضاً الاعتراف بما تحقق.

فالحديث عن مؤسسة صحية حديثة لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتبخيس جهود أطبائها وممرضيها وأطرها الإدارية والتقنية، ولا إلى تعميم حالات أو تجارب فردية على مؤسسة تضم مئات المهنيين وتخدم آلاف المواطنين.

الانتقاد الذي يساعد على الإصلاح مرحب به، أما الحكم الشامل على تجربة كاملة دون الاستناد إلى معطيات دقيقة، فلا يخدم المواطن ولا يساعد على تطوير الصحة العمومية.

ومن هنا، فإن الدفاع عن تجربة المستشفى الجامعي لا يعني المطالبة بمنع النقد، بل يعني ببساطة أن يكون النقاش منصفاً وموضوعياً.

فالقطاع الصحي العمومي يحتاج إلى المراقبة والمساءلة، لكنه يحتاج كذلك إلى الثقة والدعم والتحفيز.

والطبيب الذي يشتغل لساعات طويلة، والممرض الذي يواصل أداء مهامه تحت ضغط الحالات، والتقني والإداري الذي يساهم في ضمان استمرارية المؤسسة، كل هؤلاء يستحقون أن يُنظر إلى عملهم أيضاً من زاوية الجهد المبذول، وليس فقط من زاوية الاختلالات التي قد تظهر هنا أو هناك.

كما أن أي مقارنة بين القطاع العمومي والقطاع الخاص ينبغي أن تستند إلى معايير واضحة وبيانات قابلة للتحقق، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التعميم.

المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس لا يمثل فقط مستشفى جديداً، وإنما فرصة حقيقية لتطوير الطب الجامعي بأكادير وسوس ماسة، وتعزيز التكوين الطبي، ودعم البحث العلمي، واستقطاب الكفاءات، وتوفير خدمات تخصصية لفائدة سكان الجهة والمناطق المجاورة.

والأهم أن هذه التجربة لا تزال في بدايتها.

وبدل انتظار الكمال بعد عام واحد، فإن الأجدى هو مواكبة المؤسسة، وتثمين ما تحقق، ورصد النقائص التي تحتاج إلى معالجة، وتشجيع الأطر التي تشتغل داخلها على مواصلة تطوير الأداء.

فالمؤسسات الكبرى لا تُبنى في يوم واحد، والنجاح الحقيقي لأي مشروع صحي يقاس بقدرته على التطور المستمر والاستجابة لحاجيات المواطنين.

وبعد نحو عام من انطلاقه، يقدم المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير صورة عن مرحلة جديدة في مسار تطوير البنيات الصحية بالمغرب.

بناية حديثة، تجهيزات متقدمة، تقنيات طبية جديدة، أقطاب تخصصية، منظومة للتكوين، وقبل كل ذلك كفاءات مغربية اختارت أن تشتغل وتكوّن وتطوّر الطب داخل الوطن.

هذه العناصر مجتمعة تستحق أن تُرى وأن تُناقش وأن تُواكب بالنقد البناء، بعيداً عن التهويل وبعيداً أيضاً عن التلميع.

وفي النهاية، فإن نجاح هذه التجربة لن يكون نجاحاً للمستشفى وحده، وإنما نجاحاً لأكادير ولسوس ماسة وللصحة العمومية المغربية، والأهم أنه سيكون نجاحاً للمواطن الذي يبقى المستفيد الأول والأخير من أي استثمار حقيقي في المنظومة الصحية.

المستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير ليس تجربة مكتملة، لكنه بالتأكيد تجربة تستحق المواكبة، والدعم، والنقد المسؤول، والأمل في أن تكون السنوات المقبلة أفضل من سنة الانطلاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى