من “12 ساعة صامتة” إلى “8 ساعات من الكرامة”.. الحكومة تفتح ملف الحراسة الخاصة وتكسر سنوات الحيف

لم يكن الأمر مجرد رقم يُختزل في جدول زمني للعمل، بل كان حكاية طويلة من الصمت المهني، حيث اعتاد آلاف أعوان الحراسة والأمن الخاص أن يودّعوا يومهم بإنهاكٍ مضاعف، بعد 12 ساعة من العمل تُحتسب وكأنها 8 فقط. واقع ظل لسنوات خارج دائرة الضوء، إلى أن عاد اليوم إلى الواجهة بقوة، مع إعلان حكومي يَعِدُ بإعادة التوازن المفقود.
في جولة جديدة من الحوار الاجتماعي لشهر أبريل 2026، خرج وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، برسالة واضحة: زمن الاستغلال المقنّع يقترب من نهايته. القرار الذي تم التوافق حوله مع الشركاء الاجتماعيين لا يقتصر على تقليص ساعات العمل من 12 إلى 8 ساعات يومياً، بل يحمل في طياته اعترافاً صريحاً بوجود “حيف حقيقي” ظل يطبع هذا القطاع.
المشهد، كما يرويه المسؤول الحكومي، لم يكن عادياً. عامل يشتغل نصف يوم إضافي دون مقابل، وعقد يختزل الجهد في أرقام لا تعكس الحقيقة، ومنظومة ظلت تتعايش مع هذا الاختلال وكأنه قدر لا يُراجع. لكن هذه المرة، يبدو أن هناك إرادة سياسية لكسر هذا النمط، بدفع مباشر من رئاسة الحكومة، وفي سياق أوسع يعيد ترتيب أولويات العدالة الاجتماعية.
الإصلاح المرتقب لن يكون فجائياً، بل سيسلك مساراً تدريجياً عبر مراجعة المادة 197 من مدونة الشغل، في محاولة لتفادي أي ارتدادات على سوق الشغل أو على توازنات المقاولات. غير أن الرسالة الأهم تبقى واضحة: لا يمكن بعد اليوم القبول بوضعيات تخرق أبسط قواعد الإنصاف.
وفي خلفية هذا القرار، تبرز أرقام جهاز تفتيش الشغل كمرآة تعكس حجم الخلل. أزيد من 18 ألف زيارة مراقبة خلال تسعة أشهر فقط من سنة 2025، وأكثر من 216 ألف ملاحظة مسجلة، تتوزع بين خروقات في الأجور، وساعات العمل، والحماية الاجتماعية، والصحة المهنية. أرقام ثقيلة تكشف أن ما كان يُعتبر حالات معزولة، هو في الحقيقة نمط متكرر يستدعي تدخلاً عميقاً.
الحكومة، من جهتها، لا تكتفي بإعلان النوايا، بل تراهن على آليات أكثر صرامة، من خلال برنامج وطني للتفتيش، وتنسيق مباشر بين مفتشي الشغل ومراقبي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في محاولة لسدّ الثغرات التي طالما استغلها البعض.
وبين سطور هذا التحول، يلوح أفق أوسع: مراجعة شاملة لمدونة الشغل، كما نصت على ذلك اتفاقات 30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024، في مسار تشريعي يراد له أن يكون أكثر التصاقاً بواقع الشغيلة، خاصة في القطاعات الهشة كالحراسة والنظافة.
هي إذن لحظة مفصلية لقطاع ظل لسنوات في الظل. من 12 ساعة صامتة إلى 8 ساعات يُفترض أن تكون أكثر عدلاً، تبدأ قصة جديدة… عنوانها الأبرز: الكرامة المهنية ليست امتيازاً، بل حق مؤجل وجد طريقه أخيراً نحو التنفيذ.




