عزيز أخنوش .. زمن الوعود والشعارات انتهى وحصيلتنا بالأرقام الملموسة

في لحظة سياسية تحمل أكثر من دلالة، اختار رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن يقدم حصيلة ولايته أمام البرلمان ليس فقط كجرد للأرقام، بل كسردية سياسية تعيد تعريف معنى الفعل الحكومي في مغرب يتحرك بثقة نحو تثبيت موقعه الإقليمي والدولي. خطاب لم يخلُ من نبرة التأكيد على أن المرحلة لم تكن مجرد تدبير عابر، بل محطة لإعادة تشكيل الوعي الجماعي وفق تصور “الدولة القوية والمجتمع المتضامن”، تحت سقف الرؤية التي يقودها محمد السادس.
من داخل قبة المؤسسة التشريعية، بدا واضحاً أن رئيس الحكومة يراهن على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، عبر الانتقال من منطق الوعود إلى تعاقد وطني قائم على النتائج. لم يكن الحديث عن “المغرب الجديد” مجرد شعار، بل محاولة لتثبيت تصور يقوم على حكامة فعالة، حيث القرار العمومي لم يعد معزولاً عن انتظارات المجتمع، بل مندمجاً في تفاصيلها اليومية.
الأرقام التي قدمها أخنوش كانت لافتة: أزيد من 847 نصاً قانونياً وتنظيمياً، بينها 110 قوانين و649 مرسوماً تطبيقياً، في ما وصفه بإعادة صياغة شاملة للترسانة القانونية. هذا الزخم التشريعي لم يُطرح فقط كإنجاز تقني، بل كدليل على تحوّل في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خاصة مع دراسة 437 مقترح قانون بمبادرة برلمانية، في مؤشر على دينامية جديدة في توازن السلط وتكاملها.
لكن ما بين سطور الحصيلة، كان البعد الدولي حاضراً بقوة. أخنوش قدّم المغرب كقوة صاعدة، لا فقط بأرقامه الاقتصادية، بل بدوره في تثبيت الاستقرار الإقليمي، خاصة في محيطه الإفريقي والأورو-متوسطي. خطاب يربط بين التنمية الداخلية والموقع الجيوسياسي، ويُبرز كيف تحوّل المغرب إلى شريك لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب.
في ملف الصحراء، بدا الخطاب أكثر وضوحاً وحسماً. رئيس الحكومة استحضر التحولات الكبرى التي عرفها هذا الملف، من خلال الدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي من قوى دولية وازنة، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا، معتبراً أن القرار الأممي رقم 2797 يشكل لحظة مفصلية في تكريس واقعية الطرح المغربي.
وفي امتداد لهذا النفس الاستراتيجي، برزت المبادرة الملكية الأطلسية كأحد أهم رهانات المستقبل، مشروع يتجاوز الحدود الجغرافية ليقترح تصوراً جديداً للتكامل الاقتصادي الإفريقي، ويراهن على تحويل الواجهة الأطلسية إلى فضاء مشترك للتنمية والاندماج.
العودة إلى انتخابات 8 شتنبر 2021 لم تكن مجرد استحضار للماضي، بل تأكيد على أن الشرعية الديمقراطية، كما يراها أخنوش، ليست لحظة انتخابية فقط، بل مسار يومي يُبنى بالإنجاز والوضوح. وبين سطور هذا التذكير، رسالة سياسية واضحة: الإصلاح في المغرب لا ينتظر الظروف، بل يُصنع داخلها، بإرادة سياسية تقرأ التحولات وتحوّلها إلى فرص.
في النهاية، لم يكن خطاب الحصيلة مجرد عرض حكومي، بل محاولة لإعادة رسم صورة الدولة في وعي المواطن: دولة تتحرك، تُشرّع، تفاوض، وتراكم… في زمن لم يعد يقبل أنصاف الحلول.




