وطنية

مراكش تحلّق بالعالم… حين تتحول السماء إلى ورش دبلوماسي مفتوح

زووم نيوز – مراكش

في قلب مراكش، المدينة التي اعتادت أن تجمع الثقافات تحت سمائها، انطلقت اليوم الثلاثاء أشغال الدورة الخامسة من الندوة العالمية لدعم التنفيذ (GISS)، في مشهد يجمع بين الدبلوماسية الهادئة وصخب صناعة الطيران العالمية. مسؤولون حكوميون، ممثلو منظمات دولية، مؤسسات مالية، وخبراء من مختلف القارات… الجميع حضر إلى “المدينة الحمراء” ليس فقط لتبادل الكلمات، بل لرسم ملامح مرحلة جديدة في مستقبل الطيران المدني.

الحدث، الذي تنظمه وزارة النقل واللوجيستيك بشراكة مع منظمة الطيران المدني الدولي، وتحت الرعاية السامية لـمحمد السادس، يمتد إلى غاية 16 أبريل، حاملاً شعارًا يبدو بسيطًا في كلماته، عميقًا في دلالاته: “حلول إقليمية، منافع عالمية”. شعار يلخص فلسفة مرحلة جديدة، حيث لم يعد الطيران مجرد وسيلة نقل، بل رافعة جيوسياسية واقتصادية تتقاطع فيها رهانات السيادة والانفتاح.

في كواليس هذه الندوة، لا تُناقش فقط أرقام الرحلات أو خرائط الملاحة، بل تُطرح أسئلة أكبر: كيف يمكن للدول النامية أن تلحق بركب المعايير الدولية؟ وكيف يمكن تحقيق معادلة صعبة بين السلامة الجوية وتوسيع الربط الجوي؟ هنا تبرز مبادرة “عدم ترك أي بلد خلف الركب” كعنوان عريض لمرحلة تسعى فيها المؤسسات الدولية إلى تقليص الفجوة بين الشمال والجنوب، عبر نقل الخبرات وتسهيل التمويل.

المائدة المستديرة الوزارية المرتقبة ليست مجرد لقاء بروتوكولي، بل فضاء لصياغة مواقف مشتركة حول قضايا حساسة، من قبيل “صفر وفيات” في السلامة الجوية، وهو هدف طموح يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة تدبير المخاطر داخل هذا القطاع. كما تحضر بقوة إشكالية تمويل الطيران، في سياق عالمي يزداد تعقيدًا، حيث لم يعد الاستثمار في المطارات والبنيات التحتية رفاهية، بل ضرورة استراتيجية.

 


ومن بين الملفات التي تفرض نفسها أيضًا، مسألة تطوير الكفاءات البشرية، إذ لم يعد التحدي تقنيًا فقط، بل بشريًا بالدرجة الأولى. فالمطارات الذكية، وأنظمة الملاحة المتطورة، تحتاج إلى عقول قادرة على مواكبة هذا التحول المتسارع.

اختيار المغرب لاحتضان هذا الحدث ليس تفصيلًا عابرًا. هو رسالة واضحة بأن الرباط تراهن على موقعها كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وكمنصة إقليمية لصناعة الطيران. ومن مراكش، التي تحولت مؤقتًا إلى عاصمة للطيران العالمي، يبدو أن السماء لم تعد فقط مجالًا للطائرات، بل فضاءً للتفاوض، للتخطيط، ولإعادة رسم خرائط النفوذ.

وبين جلسة وأخرى، وبين تصريح وآخر، يتأكد أن مستقبل الطيران لن يُصنع في الأبراج المغلقة، بل في مثل هذه الفضاءات المفتوحة، حيث تلتقي الإرادات، وتُختبر النوايا، ويُعاد تعريف معنى أن نحلّق… معًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى