محمد لغروس: حين تبني الصحافة ملعباً… من فزواطة تبدأ الحكاية

في الجنوب الشرقي للمملكة، حيث تمتد الأرض بصمتها العميق وتختزن الذاكرة تفاصيل الطفولة الأولى، لا تأتي المبادرات الكبيرة دائماً من المؤسسات الرسمية، بل أحياناً من قلب التجربة الإنسانية نفسها. هناك، في دوار السفلات بجماعة فزواطة، نواحي زاكورة، تحوّل حلم بسيط كان يراود شباب المنطقة إلى مشروع ملموس، بفضل خطوة غير مألوفة في المشهد الإعلامي: صحيفة تبني ملعباً.
القصة تبدأ حين قرر محمد لغروس، مدير جريدة العمق المغربي، أن يترجم الانتماء إلى فعل، وأن يمنح للرياضة معناها الحقيقي كرافعة اجتماعية. لم يكن الأمر مجرد إعلان أو دعم رمزي، بل التزام كامل ببناء وتجهيز ملعب للقرب، من الألف إلى الياء، في منطقة طال انتظارها لفضاء آمن يحتضن طموحات شبابها.
في فزواطة، لم يكن اللعب مجرد متعة، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر. ملاعب غير مهيأة، أرضيات قاسية، وأشواك تلتهم الكرات قبل أن تكتمل الفرحة. سنوات من الانتظار جعلت من كرة القدم حلماً ناقصاً، إلى أن جاءت هذه المبادرة لتضع حداً لمعاناة صامتة، وتفتح أفقاً جديداً لجيل كامل.
الملعب الجديد، الذي يرتقب أن يرى النور قبل عيد الأضحى المبارك، لن يكون مجرد مساحة للعب، بل فضاء متكامل: عشب، سياج واقٍ، ومستحمات ومرافق صحية، في صورة تعكس فهماً حديثاً لدور الرياضة في حياة الشباب. مشروع صغير في حجمه، كبير في رمزيته، لأنه ببساطة يعيد الاعتبار لحق أساسي: اللعب في أمان.
لكن خلف هذا المشروع، تختبئ حكاية أعمق. ذكرى مؤلمة من دوري سابق، حين أصيب أحد اللاعبين بكسر، لتبدأ رحلة البحث عن سيارة إسعاف، ثم التنقل بين زاكورة وورزازات بحثاً عن طبيب. لحظة اختلط فيها الألم بالعجز، وكانت كفيلة بأن تزرع فكرة لن تغادر ذهن صاحبها: لا بد من تغيير هذا الواقع، ولو بخطوة واحدة.
ومن هنا، لم يعد المشروع مجرد ملعب، بل رد فعل على معاناة، ومحاولة لتفادي مآسٍ مشابهة. فضاء خالٍ من الحجارة، لا تضيع فيه الكرات وسط الأشواك، ولا تتحول فيه المباريات إلى خطر مفتوح على الإصابات.
وفي لحظة إنسانية لافتة، اختار لغروس أن يحمل الملعب اسم “با حماد”، جده الراحل، في التفاتة تختزل معنى الوفاء للأصول. اسم بسيط، لكنه يربط الماضي بالحاضر، ويعيد الاعتبار لجيل كامل من الآباء والأجداد الذين صنعوا ذاكرة المكان.
الرسالة التي خرجت من فزواطة كانت واضحة: التنمية لا تحتاج دائماً إلى قرارات مركزية، بل أحياناً إلى مبادرات صادقة. وأن الصحافة، حين تتجاوز دورها التقليدي، يمكن أن تتحول إلى فاعل ميداني يترك أثراً حقيقياً.
وبين تصفيقات الساكنة وامتنان الجمعيات المحلية، لم يكن المشهد مجرد تدشين مشروع، بل لحظة اعتراف جماعي بأن الانتماء ليس شعاراً، بل مسؤولية. وأن “العقل السليم في الجسم السليم” ليس مجرد مقولة، بل مشروع يمكن أن يبدأ من ملعب بسيط… في قرية بعيدة، لكنه قريب من معنى الوطن.




