تارودانت الشمالية… معركة الكبار حين تختبر الانتخابات وزن السياسة

في صباح بارد من صباحات السوق الأسبوعي بأولاد برحيل، كان النقاش عادياً في ظاهره… فلاحون يتجادلون حول موسم شحيح، وشباب يتابعون أخبار الهجرة، وشيخ يراقب بصمت. لكن حين ذُكر اسم الانتخابات، تغيّر كل شيء. انخفضت الأصوات قليلاً، وارتفعت النبرة أكثر. أحدهم قال: “هاد المرة ماشي بحال 2021… الناس ولات كتحاسب”. لم يكن تصريحاً عابراً، بل مفتاحاً لفهم ما يجري اليوم في تارودانت الشمالية، حيث تعود السياسة لتُختبر في عمقها الحقيقي، بعيداً عن البلاغات، وقريباً جداً من نبض القرى.

في انتخابات 2021، حين اكتسح حزب التجمع الوطني للأحرار المشهد وطنياً، كانت تارودانت الشمالية جزءاً من تلك الموجة. حصل مرشحو الحزب على صدارة النتائج بما يقارب 18 ألف صوت، متقدمين على حزب الأصالة والمعاصرة الذي حصد حوالي 13 ألف صوت، فيما جاء حزب الاستقلال ثالثاً بما يقارب 11 ألف صوت، وتراجع حزب العدالة والتنمية إلى حدود 8 آلاف صوت بعد أن كان رقماً صعباً في دورات سابقة. يومها، بدا أن الخريطة حُسمت، وأن “الأحرار” وضعوا قدماً ثابتة في دائرة طالما وُصفت بالمعقدة.
لكن خمس سنوات بعد ذلك، تغيّر المشهد بهدوء… وبعمق.
في دوار قريب من تالوين، يحكي أحد الفاعلين الجمعويين أن نفس الوجوه التي صفّقت في 2021، صارت اليوم أكثر تحفظاً. “ماشي كاعشي تبدل، ولكن الثقة ما بقاتش كيف كانت”، يقولها وهو يشير إلى طريق غير معبدة ظلت كما هي. هذا التحول الصامت هو ما يعيد خلط الأوراق، ويجعل من الأرقام السابقة مجرد مرجع… لا نتيجة نهائية.

في قلب هذه التحولات، يبرز اسم لحسن السعدي كأحد أكثر الفاعلين التصاقاً بالميدان. لا يعتمد على الظهور القوي بقدر ما يراكم حضوراً متواصلاً في التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى في الصور. في جماعات متفرقة، يُروى عنه أنه “كيمشي ويرجع”، عبارة تختصر فلسفة كاملة في العمل السياسي القروي: الاستمرارية بدل الظهور الموسمي. هذا النوع من الحضور، الذي لا يُقاس بالخطابات بل بالزيارات المتكررة، هو ما يمنحه امتداداً يصعب منافسته بسهولة، خصوصاً في بيئة انتخابية تُكافئ من “يبقى” أكثر مما تُكافئ من “يظهر”.

في الجهة الأخرى، يتحرك عبد العزيز البهجة بثقل التجربة. اسمه حاضر في ذاكرة جزء من الناخبين، وعلاقاته القديمة تمنحه مدخلاً إلى مناطق لا تُفتح بسهولة. لكنه، كما يقول أحد المتتبعين، “يلعب مباراة في زمن مختلف”. فالمعادلة اليوم لا تقوم فقط على التاريخ، بل على القدرة على تحويله إلى حضور يومي فعّال، وهو التحدي الذي يواجه عدداً من الأسماء التي راكمت رصيداً سياسياً دون أن تواكب تحولات السلوك الانتخابي.

أما عبد اللطيف وهبي، فيدخل هذا السباق من زاوية أخرى تماماً. بصفته أحد أبرز وجوه حزب الأصالة والمعاصرة على المستوى الوطني، يحمل معه ثقلاً سياسياً واضحاً، وخطاباً حاداً قادراً على جذب الانتباه. لكن في تارودانت الشمالية، حيث تُقاس السياسة بمدى القرب من تفاصيل الحياة اليومية، يبقى التحدي الحقيقي هو ترجمة هذا الثقل إلى شبكة محلية قادرة على التعبئة في الدواوير، لا فقط في المنابر.

بين هذه الأسماء، تتحرك أحزاب أخرى بهدوء، لكن بفعالية. حزب الاستقلال، الذي حصل في 2021 على ما يقارب 11 ألف صوت، لا يبدو صاخباً، لكنه حاضر عبر شبكة من المنتخبين والعائلات التي ما زالت ترى فيه امتداداً طبيعياً لها. في بعض الجماعات، يكفي اسم الحزب ليُعيد تحريك قواعد انتخابية صامتة، قادرة على الظهور في اللحظة الحاسمة. أما حزب العدالة والتنمية، فرغم تراجعه الكبير، يحاول استثمار ما يسميه أنصاره “تصويت الغضب”، مستفيداً من تآكل جزء من الثقة في الأحزاب التي قادت المرحلة السابقة.

لكن الحقيقة التي لا يختلف حولها اثنان في تارودانت الشمالية، هي أن الأرقام لا تتحرك وحدها. خلفها دائماً “أسماء أخرى” لا تظهر في اللوائح، لكنها تحسم النتائج: الأعيان. هؤلاء لا يعلنون مواقفهم مبكراً، ولا يراهنون على حزب بعينه، بل على من يضمن لهم الاستمرارية في النفوذ والتوازن. في جلسة مسائية بأحد الدواوير، قال أحدهم بوضوح: “الانتخابات ما كتربحهاش الأحزاب… كيربحوها الناس لي عارفين الناس”. جملة تختصر شبكة معقدة من العلاقات، حيث يمكن لتحالف واحد في اللحظة الأخيرة أن ينقل آلاف الأصوات من جهة إلى أخرى.
ومع اقتراب 2026، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل خمس سنوات. الفارق بين الأحزاب تقلّص، والثقة أصبحت موزعة، والناخب لم يعد يمنح صوته بسهولة. ومع ذلك، تكشف القراءة الميدانية عن خيط رفيع قد يصنع الفرق: من اشتغل خارج منطق الحملات، وراكم حضوراً مستمراً، يبدو أقرب إلى تحويل هذا الرصيد إلى أصوات فعلية.
في نهاية اليوم، حين ينفض السوق، ويعود كل واحد إلى دواره، يبقى السؤال معلقاً في الأذهان: هل تعود نفس الأرقام لتتكرر؟ أم أن الصمت الذي يخيّم على النقاشات يخفي تحولاً أعمق؟ في تارودانت الشمالية، لا أحد يملك الجواب الكامل، لكن الجميع يدرك أن المعركة هذه المرة لن تُحسم بالشعارات، بل بمن نجح في أن يكون جزءاً من الحياة اليومية للناس… لا مجرد زائر في موسم الانتخابات.




