أش واقع

بناصر بولعجول… “دركي” الطرقات الهادئ الذي يقود معركة الحياة في صمت

في الصباحات التي تعجّ بحركة السير، حيث تتقاطع السرعة مع التسرّع، ويختبر الإنسان حدود انتباهه كل دقيقة، يمر اسم بناصر بولعجول بهدوء… دون ضجيج. رجل لا يطلب الأضواء، لكنه يشتغل في واحدة من أكثر الجبهات حساسية: جبهة إنقاذ الأرواح.

من داخل دهاليز الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، لا يبدو المشهد مجرد إدارة عمومية تُدبّر ملفات ووثائق، بل ورشًا مفتوحًا على معركة يومية ضد سلوكيات راسخة، وضد ثقافة طريق لم تحسم بعد مع الفوضى. هنا، حيث الأرقام لا تعني فقط إحصائيات، بل قصصًا غير مكتملة… يبدأ عمل بولعجول.

لم يكن وصوله إلى هذا الموقع وليد صدفة أو ظرف عابر. سنوات من الاشتغال في قطاع النقل واللوجستيك صقلت رؤيته، وجعلته قريبًا من تفاصيل قد تبدو صغيرة، لكنها حاسمة: رخصة سياقة تُمنح، مركبة تُفحص، أو سائق يتلقى تكوينًا. غير أن التحول الحقيقي جاء حين قرر أن يقود “نارسا” بمنطق مختلف… منطق يضع الوقاية قبل الزجر.

في اجتماعاته، لا يتحدث فقط عن منحنيات الحوادث، بل عن الأرواح التي تختبئ خلفها. كل رقم، بالنسبة له، حكاية إنسان لم يصل، أو عائلة تغيّر مسارها في لحظة. لذلك، لم يكن غريبًا أن يراهن على حملات تحسيسية تمسّ الجميع: السائق، الراجل، والطفل الذي يتعلم أولى قواعد العبور.

حين يظهر بولعجول في الإعلام، يبدو حازمًا. نبرة واضحة تقول إن الطريق ليس مجالًا للتجريب، وأن الخطأ البسيط قد يتحول إلى مأساة. لكنه، خلف هذه الصرامة، يشتغل برؤية إصلاحية عميقة: تحديث المنظومة، رقمنة الخدمات، وتوسيع الاعتماد على المراقبة الذكية.

تحت قيادته، بدأت ملامح تحول ملموسة داخل “نارسا”: مساطر أكثر شفافية، خدمات رقمية تُقلّص الاحتكاك البشري، وأنظمة مراقبة تُراهن على الدقة بدل المزاج. الهدف لم يكن فقط ضبط المخالفات، بل بناء منظومة تُقلّص من احتمالات الخطأ قبل وقوعه.

ما يجعل مهمة بولعجول معقدة، هو موقعه عند تقاطع حساس: بين مؤسسات الدولة التي تبحث عن الفعالية، ومهنيي النقل الذين يواجهون ضغوط الواقع، ومواطنين تختلف علاقتهم بالقانون من شخص لآخر.

هذا التوازن يفرض عليه أن يكون إداريًا ومُصلحًا في الآن ذاته. أن يُشدد حين يلزم، وأن يُقنع حين يكون الإقناع أنجع. فالرجل لا يُدبّر مؤسسة فقط، بل يساهم في إعادة صياغة سلوك جماعي… سلوك يتجلى يوميًا على الطرقات.

رغم الجهود، لا يدّعي بولعجول أن المعركة حُسمت. حوادث السير ما تزال حاضرة، والتحديات تتجدد مع كل يوم. لكن الرهان، كما يبدو من مساره، ليس في تحقيق الكمال، بل في تقليص الخسائر، في تحويل الخطر من عادة إلى استثناء.

قد لا يتصدر اسمه العناوين كل يوم، وقد لا يعرفه الجميع، لكن أثره يسير بصمت على طرقات المغرب… في كل سائق احترم الإشارة، في كل طفل عبر الشارع بأمان، وفي كل أسرة عاد أحد أفرادها سالمًا دون أن تعرف لماذا.

هكذا يبدو بناصر بولعجول… رجل اختار أن يشتغل حيث لا تُقاس النجاحات بالتصفيق، بل بعدد الأرواح التي تنجو.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى